أحمد فارس الشدياق

90

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

اختلاف الأذواق ويرد على هذا التأويل أنّه لو كانت الموسيقى فضلة من المنطق لكانت واحدة الاستعمال كما أن المنطق واحد الضوابط ، على أن الناس متغايرون فيها تغايرا شديدا ، فإن ألحان العرب لا تطرب غيرهم بل هؤلاء أيضا مختلفون ، فإن أهل مصر لا يطربون لألحان أهل الشام ، وألحان الإفرنج لا تطرب أحدا من هؤلاء . وعلى تأويل المنطق بالمعنى اللغوي ، وهو المراد هنا ، فقد جاء في شرح رسالة ابن زيدون لسلطان المتأدبين ابن نباتة ما نصّه : « النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على إخراجه ، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع ، فلمّا ظهر عشقته النفس ، وحنّ إليه القلب » والمراد بالترجيع لا التقطيع أن يكون الصوت ممتدّا ينحى « 99 » به لا متقطّعا كأصوات الهجاء ، فإذا كان فن الموسيقى والحالة هذه فضلة من المنطق على هذا التأويل لزم أن نقول : إن لكل جيل من الناس محاسن في الغناء مقصورة عليهم فقط ، فإن لكل لغة محاسن وعبارة لا توجد في غيرها ، والواقع بخلاف ذلك فإن لغتي الصين والهند مثلا تشتملان على محسنات لا توجد في غيرهما إلا أن أنغامهم خالية من ذلك . ألحان الإفرنج أمّا ألحان الإفرنج فلا يطرب لها منّا إلا من ألفها ، وهي عندهم على أربعة أنواع : الأول : وهو أحسنها ، ما يتغنى به في الملاهي مثل الموشحات عندنا مع مدّ الصوت وترجيعه ، وخفضه ، ورفعه ، وترقيقه ، وتفخيمه ، وترجيفه ، وفيه تدخل حماسة وتحريض وتذمير . والثاني : وهو يشبهه ما يرتّل به في الكنائس ولا يكاد يكون به ترجيف . والثالث : ما يغنّى به في المحزنات والبثّ ، وفي هذا النوع يستعملون غناء رقيقا

--> ( 99 ) ينحى به : يمال به . ( م ) .