أحمد فارس الشدياق

70

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

وعامّة المالطيين يجعلون أقذارهم في وعاء تحت السرير فلا طاقة لأحد على أن يدخل مراقدهم في الصباح ، ولا بدّ من أن يرقد الرجل مع زوجته وإن تقادم عليهما الزواج وهرما فيه وأروحا « 71 » . فأمّا الأوباش والسفلة فتراهم راقدين في الهاجرة على حافّات الطرق كبّا على وجوههم . وقد جاء في الحديث : « نوم الشياطين على وجوههم » . وإذا زرت موسرا منهم بادر إلى أن يريك ما عنده من الفرش والأثاث ، وقبل كل شيء يريك فراشه . ولم تجر العادة عندهم أن يتّخذوا فرشا للزائرين كما في بلادنا . وممّا حرم منه أهل مالطة من أسباب الترفّه والاستراضة الاستواء على الأرائك والزرابي الوثيرة ، فلا يقعدون إلا على الكراسي ، نعم إنّهم يتّخذون متكآت من خشب ولكن من دون نمرقة عليها ولا حشية ، وناهيك بمن يقعد يومه كلّه على كرسي خارج منزله ، أو يظلّ واقفا كالتجار ، ثم يأتي منزله ليقعد على كرسي ، فكأنّما لسان حالهم يقول ما قال أبو نواس : « وداوني بالتي كانت هي الداء » أو ما قال الأعشى : وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها أو ما قال ابن دريد في مقصوته : حينا هي الداء وأحيانا بها * من دائها إذا يهيج يشتفى أو ما قاله البحتري : تداويت من ليلى بليلى في الهوى * كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فائدة يحسن استطرادها « 72 » هنا وهي : إن مداواة الشيء بنظيره لا بنقيضه ليس من مخترعات أطباء النمسا كما شاع ، فقد ذكر العلامة الدميري في كتاب « حياة الحيوان » عند ذكر النحل ما نصّه : « روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد

--> ( 71 ) أروح الشيء : أنتن . ( م ) . ( 72 ) في الطبعة الأولى : استطارها أي : تسطيرها ، وهي أصوب من قوله استطرادها ، لأن الفعل استطرد لا يتعدى بنفسه ، بل يتعدى باللام أو بفي . فيقال : استطرد له ، أو استطرد فيه . ( م ) .