أحمد فارس الشدياق
60
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
الطير ، وهذه الطرفة النفيسة لا وجود لها في لندرة ولا في باريس . أما الطير فإنه قليل جدّا ولا عيب على من يشتري نصف دجاجة بل ربعها أو جناحيها أو رأسها بل مصارينها ، كلّ ذلك من اقتصادهم ، فإنهم أعظم الخلق خبرة به ، ولا عيب أيضا على من يذهب بنفسه ويشتري مؤنة يومه وإن يكن قاضيا بل النساء السيدات يفعلن ذلك أيضا ، ومتى اشترت شيئا تحمّله أحد الأولاد الذين مهنتهم الحمل ، وهم كثيرون ، وكذلك لا عيب على من يشتري من البقول والحليب ما قيمته فلس واحد فقط . وليس في المدينة حمير فارهة للركوب كحمير مصر ، وإنما يذهب الناس في عواجل « 54 » وهي ليست كعواجل الإفرنج وليس لسائقها مقعد فيها ، وإنّما يمشي بجانبها على رجليه الحافيتين ، ومتى رأى أصحابها أحدا مقبلا ازدحموا عليه ولا ازدحام حمّارة مصر . أشهر الصنائع في مالطة وليس في مالطة كلّها مصانع للساعات أو الزجاج أو الأدوات الحربية والأقمشة وغيرها ، فأشهر الصنائع عندهم النجارة والخياطة والسكافة والحدادة والنساجة والصياغة ، وأخص أعمال النجارين الكراسي والمتكآت والموائد والخزائن والصناديق والأصونة ونحو ذلك ، وقد يحسنون أيضا انشاء المراكب وعمل الحدادة مقصور على سرر النوم ، وما يلزم للبناء وعمل الصياغة من الذهب إنّما هو الشنوف « 55 » والخواتم والسلاسل والأسورة وأشكال طيور وزهور ، والأبازيم والإبر ونحوها . ومن الفضة الملاعق والمغارف وأباريق القهوة والشاي والأقداح والأطباق والمسارج وأوعية السكر ونحوه . فأما النساجة فلا تتعدّى شقق الفوط وأغطية الفرش وقلوع المراكب ، ومن هذا الأخير يبعث إلى بلاد المسلمين مقدار جزيل . وليس من أهل هذه الصنائع من يصل إلى درجة الإنكليز والفرنسيس في الجودة
--> ( 54 ) العواجل : مفردها عاجلة ، وهي عربة تجرها الدواب . ( م ) . ( 55 ) الشنوف : واحدها شنف ، وهو القرط الذي يعلّق في الأذن . ( م ) .