أحمد فارس الشدياق
49
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
يتبوّؤها « 37 » الإنكليز أجراس صغيرة مدلاة بأسلاك حديد نافذة في الغرف ، ويتّصل بها شرائط من حرير ، فإذا أراد المخدوم إحضار الخادم جبذ الشريطة فسمع الخدم صوت الجرس من كل جهات الدار ، وهذا أوفق من التصفيق باليدين وربّما كتبوا على صفحة الباب : اقرع الباب ، أو أطنّ الجرس وكذا العادة في بلاد الإنكليز ، ولكن ليس في الأبواب هنا خروق لوضع المكاتيب كما في ديار لندرة . طرق المدينة أما طريق المدينة فإن الماشي فيها أبدا يصعد ويهبط كحيزوم السفينة في الأمواج غير أنّ لها درجا يهوّن من صعبها ويمكن المشي على حافّاتها تحت المطر ، ولكل طريق حافّتان عن اليمين والشمال لممر الناس ، ومرور الخيل والعجلات في الوسط ، وقد كانت جميعها سابقا مبلّطة ، فكانت كرقعة العجلات عليها لا تطاق ، فاقتلعت الإنكليز بلاطها من الوسط وجعلوا بدله ترابا وحصى فقال أهل مالطة : إن الإنكليز دأبهم أن يحربوا « 38 » بلادهم كما حربوهم من قبل في أخذهم مدافع النحاس ووضعهم مكانها أخرى من حديد . والحقّ يقال إن فرش الطرق بالتراب والحصى يجعلها في الصيف مثارا للنقع ، وفي الشتاء مناقع للوحل . وإنما فعلت الإنكليز ذلك مراعاة لرضى بعض الأعيان الذين لهم عواجل ، فلنفع هؤلاء وحدهم أغمضوا عن نفع العامّة وهذا دأبهم من أنهم يراعون خاطر العلية دون الجمهور ، والباقي من الحجر على الحافتين متى تصبه الشمس في الصيف يصر مسدرا « 39 » . هذا ولما كان أهل مالطة أحرص الناس على ملابسهم وأحذيتهم كان خروجهم في الطرق ولا سيّما في الشتاء قليلا فتبقى الطرق دائما نظيفة ، فأما في لندرة فإن النساء يخرجن صيفا وشتاء ويلبسن نحو قباقيب تقيهم من الوحل ؛ فلهذا تكون طرقها
--> ( 37 ) يتبوّؤها : يسكنها . ( م ) . ( 38 ) حربه : سلبه كل ما يملك . ( م ) . ( 39 ) مسدر : محيّر للبصر . ( م ) .