أحمد فارس الشدياق

40

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

ومن جملة الأسباب التي تجعل شتاها عارما « 21 » مكروها كون بنائها من حجر رطب لو جعل في مقمأة « 22 » بضع سنين لأكلأ « 23 » ، وحين يستخرج أولا من مقطعه يكون أخضر مائيا ولا يبيضّ إلا إذا نصب للهواء والشمس سنين ، ومن خواصّه أنه قابل للنقش ، فلهذا ترى منه في الديار والكنائس نصمات « 24 » شتّى ، وقد يبعث منه على سبيل التجارة إلى جميع البلاد ، وكثيرا ما تتوارى الشمس في هذا الفصل فلا تطلّ فيه ولا من شباك ، فأين هذا من شتاء مصر حين يترحّب بالشمس طالعة ، وتشيّع غاربة ، وفي الصيف يطفو نيلها فيرطّب الأرض وينتظم به شمل الأحباب وعقود المسرّات . وإذا اتفق في مالطة يوم صحو في الشتاء رأيت الناس جميعا يعدّدون محاسنه ويصفونه ، ويلهون عن سوء أيامهم الأخر حين إذ الرياح تأخذ بناصية السائر ، والمياه تهطل من أنف كلّ سحاب ، والزكام ملازم للأنوف ، والسعال قابض على الحلقوم ، وأشد ما يسوء منها استمرار الرياح أياما متوالية من دون مطر فإنه قد يأتي عليها من السنين ما لا يغزر فيه المطر والرياح مع ذلك لا تهدأ أصلا ، وقد احتاجوا في بعض السنين إلى الغيث غاية الاحتياج حتى فرض عليهم أسقفهم دعاء للاستمطار في الكنائس مع الصيام ، والريح مع ذلك تزيد عصوفا فقلت : ولّما لم يطق كانون قطرا * تولّى وهو يحبق بالرياح فيا قوم اغسلوا بالدمع فيه * وجوهكم وصوموا عن سفاح وفي الجملة فإن صيف مالطة وشتاءها شاقّان جاهدان يهجمان بغتة ، فآخر ذنب الشتاء معقود بناصية الصيف فليست كمصر والشام ، فإن الإنسان فيهما يتعوّد على

--> ( 21 ) العارم : الشديد البرد . ( م ) . ( 22 ) المقمأة : المكان الخصيب . ( م ) . ( 23 ) أكلأ : ظهر عليه الكلأ وهو العشب . ( م ) . ( 24 ) نصمات : جمع نصمة ، وهي الصورة التي تعبد . ( م ) .