أحمد فارس الشدياق

290

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

الانتقال من القرية إلى كمبريج وإن عليّ بادي بدئ أن أكلم كاتب الجمعية وأخبره بما أصابني ، فلما قابلته غلبني النحيب والبكاء حتى انقطعت عن الكلام ، فاستعظم ذلك مني على سني ، فإن الإنكليز قلما يبكون على فائت ، ثم لما أعلمته بالسبب وشكوت له ما لاقيت في القرية ، وإني أخشى أن أموت قبل نجاز الترجمة . رأى أن الإبقاء على حياتي هو الصواب ، وأن الأوفق لي وللتوراة أن أمكث في كمبريج لأكون غير بعيد عن الدكطر لي . واتفق مدة مكثي هذه في لندرة أن وقع ضباب كثيف دام سبعة عشر يوما ، حتى احتجنا في بعضها إلى ايقاد المصابيح نهارا لتهتدي أيدينا إلى أفواهنا ، فرأيت الجلاء أجلى وأولى ، فمن ثم سرت إليها فبلغتها بعد نحو أربع ساعات ، وهذه المدينة لا ملهى بها ولاحظ سوى مشاهدة المدارس والأساتذة والمتعلمين ، وهم من التكبر والصلف بمكان إخوانهم طلبة العلم في أكسفورد . وبعد وصولي بيوم جرى النزاع واللكام ما بين أهل المدارس وأهل البلدة كما جرى في أكسفورد . وفيها تعرفت ببعض فضلاء الإنكليز ممن عنوا بالعربية ، منهم الفاضل مستر وليمس الذي هو الآن مدرس فيها ، والفاضل مستر برسطون الذي ترجم خمسا وعشرين مقامة من مقامات الحريري إلى الإنكليزية ( وقد تقدم ذكره ) ، ومنهم الفاضل مستر جون برطون قرأ علي جزءا من المقامات ، وكان الذي عرفني به يهوديا كان يعلّمه لغته ، وإنه غاب عنه مدة فسألني عنه تلميذه ذات يوم فقلت : لا أدري أين هو . وإنما لاح لي من سيماء وجهه حين جاءني أن في أماقيه لشرا ، ثم لم يلبث أن شهر عنه في البلد أنه كان يضاجع بنته وهي دون العشر سنين ، وكان ذلك دأبه معها مدة مديدة ، فحكم عليه بالنفي المؤبد . وقد أدبت عند أحد أعيانهم وهو أحد أعضاء مجلس المشورة العام وإذ كنا واقفين في المجلس نتحادث لحت من بين القيام شخصا يهم بأن يدنو مني ليكلمني ، فدنوت منه ، فقال لي : - قد طالما أردت أن أسألك عن شيء في بلادكم ، فهل تمن عليّ بالجواب ؟ قلت : - ما هو ؟