أحمد فارس الشدياق

284

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

إنسان حتى يغيب عن الإدراك . وهي نسبة إلى رجل نمساوي اسمه مزمر ، فاشتقوا منه فعلا ، يقال : مزمره ، أي عالجه بإمرار اليد . وذلك أنهم يعتقدون أن في بعض الأجسام خاصية تؤثر في غيرها على مقتضى ما ينويه المؤثر . وقد سمعت من الست المذكورة أن بعض الأطباء مزمر خادمة لها حتى خثرت « 236 » نفسها ، ثم لمس من رأسها مبعث الأنفة والمدافعة وقال لها : أنت دميمة . فقالت : لا بل أنا أحسن خلق الله وجها . ثم لمس مبعث الكرم ، فقالت : بالباب مسكين خذوا هذا الدرهم واعطوه إياه . ثم لمس مبعث الغضب ، فجعلت تهيج وتشعث شعرها ، فأراد أن يرجعها إلى حالتها وارتاب في استطاعته على ذلك ، فلم يقدر . وبقيت الجارية كذلك هائجة مضطربة ، وذلك لأنك إذا أثّرت في شخص وأحلته عن حالته ، ثم شئت رده إليها ، لزمك أن تعتقد اعتقادا يقينا بأنك مستطيع عليه . فلما تبين له عجزه استدعوا بطبيب آخر ، فحاول أن يخرجها من قوة تأثير الأول بواسطة الإمرار ، فلم يتم له ذلك بالكلية ، وإنما أضعف منها أثر الأول إضعافا ، فباتت على تلك الحالة ، فلما أصبحت خفّ ما بها ثم شفيت . ويقال : إنه إذا أمر الشخص المؤثر فيه بقتل إنسان قتله ، أو بقضاء حاجة قضاها دون تلبث ، حتى إنه ليفعل ما فيه ضرّ نفسه ، وإنه يدل على أشخاص وأماكن لم يكن رآها من قبل ، ويسميها كما هي . واتفق أن جارية الست المذكورة أصابها ورم في وجهها عن وجع ضرس ، فأجلستها على كرسي ومزمرتها حتى غشيها سبات ، ويبست جوارحها ، فأخذت سيدتها تنفخ عليها وما زالت بها حتى شفتها بالمرة . ومرة أخرى أجلستها أمامي ثم لوت يديها إلى صدرها ، ثم أمرّت يديها على وجهها ، فما لبثت أن غمضت عينيها ، فأمرتها أن تمشي من ذلك المحل إلى غرفة ، فمشت وعيناها مغمضتان ، وسيدتها ممسكة بها خيفة أن يصدم رأسها شيء ، فلما وصلت قالت المخدومة : أين تريدين القعود ؟ على الكرسي أم على الأريكة ؟ فقالت : بل على الكرسي . فقالت لها : لك ذلك . فجلست ، فسألتها عن أي شيء يشتغل فلان به ؟ فقالت : هو ناظر إلى ساعته . قالت : كم الساعة الآن ؟ قالت : الحادية عشر وربع . فنقلت أصبعها إلى موضع آخر

--> ( 236 ) خثرت نفسها : غثت واختلطت ( م )