أحمد فارس الشدياق
253
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
وينوّهون بمناقبه . وأن يستخدم أحذق الأطبّاء لحفظ صحّته العزيزة ، وأن يحضر طعامه وشرابه من جميع البلدان القاصية إنماء في بدنه وتصفية لذهنه ، وأن يضع أولاده في أحسن المدارس إلى غير ذلك من المنافع التي لا يحوزها الغني في بلادنا ، ومن ليس له غني في هذه البلاد فلا يحسبنّ نفسه من الناس . هذا وقد جرت العادة في كلّ مكان بأن السعيد الغني لا يزال يبدو للناس فتى ، فإذا مات وهو ابن خمسين سنة مثلا أسفوا عليه ، وقالوا : واخسارتاه فقد مات عبطة « 222 » ، ولعلّ بعض حسّاده قد سمّه ، وكذا لو تزوّج في ذلك السنّ ، أو سافر استحسنوا فعله ، لو أنه لحمقه كان يصيّف في مشتى ، ويشتو في مصيف مدّة طويلة ، ثم جعل المصيف مشتى والمشتى مصيفا لقال الناس : إنّ رأي هذا السعيد ما زال رشيدا ، فإنّ الزمان قد انقلب ، والحال حال ، فكلّ شيء يليق به ، بخلاف الفقير الشقي ، فإنّه إذا مات وهو كهل قالوا : لا بدّ لمثله أن يموت ، وإذا سافر أو تزوّج عرّض نفسه لاستهزاء الناظر والسامع به . منافع العلم وما قلته في منافع الغنى هنا لا ينفي منافع العلم على الإطلاق فإنّ من برع عندهم في علم ، وإن كان وضيع النسب فلا يعدم أن يرى من يرفعه من خموله ويستفيد بعلمه ، غير أن العلم عندهم لا يكون بمعرفة قواعد النحو والصرف أو بنظم قصائد وإنّما هو مطالعة اللغتين اليونانية واللاتينية ، ومعرفة أدبهما ، ومعرفة التاريخ ، والفلسفة ، والهندسة ، والرياضيات ، فمن حصّل ذلك فقد قبض على مفتاح الرزق ، ومن اخترع شيئا مفيدا فقد استغنى به ، وذلك إمّا أن يبيعه لأحد من الأغنياء بجعل وافر وإمّا أن يستبدّ بصنعه ، فلذلك كان العلم في أوروبا دائما مورد الاستنباط والابتكار ، بل كثير منهم يحرزون به لقب الشرف .
--> ( 222 ) مات عبطة : مات شابا دون علّة . ( م ) .