أحمد فارس الشدياق
252
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
فهذا الشعار لا تأنف الإنكليز أن تتردّى به لجرّ منفعة به إليهم ، وهو المراد عندهم من التمدن ، ومتى علموا أنّ جيلا أمهر منهم في شيء نسبوا إليه ذلك الشيء الذي يصنعونه هم ويريدون بيعه . والثالث كذب متبّل محرق وهو التغرير والنميمة والإفساد بين محبّين أو خليلين لوما وحسدا ، وهو يكاد أن يكون من خصوصيات المشرقيين . الغنى عند الإنكليز ثم إن الغنى وإن يكن شأنه أن يجتذب إليه قلوب الناس في جميع الأمصار والأعصار ، وإنّ التجمّل باللباس يورث المرء هيبة وجلالا حيثما كان ، وعلى ذلك قول بعضهم : لقد اجتهدت في أن أنظر إلى الغني بالعين التي أنظر بها إلى الفقير فلم أقدر . أو كما قال العلامة كولد سميث : إن الغنى مرادف الحرية في كل مكان ، إلا أن الغني عند الإنكليز شعار على الجدارة والاستحقاق لكلّ شيء ، فالغني عندهم يمكن له أن يرفع دعواه إلى مجلس المشورة ، ويطلّق امرأته لعلّة الزنا حقيقة أو ادّعاء ، والفقير لا يمكنه ، وله أيضا جدارة بأن يكون ضابط البلد ، ومن أعضاء مجلس المشورة المؤلف من نوّاب الأقاليم ، وأن يشتري وظيفة من الديوان في العساكر البرية ، فيكون قائد مائة ، أو ألف ، أو عشرة آلاف ، وأن يدخل في المنتديات أي الكلوب ، وهناك يجتمع بالعظماء وذوي الشرف ، فإذا رأوه على تلك الحالة لم يلبثوا أن يدعوه إلى منازلهم ، فإن كان عزبا خطب إليهم إحدى بناتهم ، أو أخواتهم ، أو كان متزوجا زوّج ولده من إحداهنّ فاستقطر بإنبيق ديناره دمهم الشريف في دنّ نسبه ، ويا لها من غبطة . وله أن يتوسّل إلى نجيّ « 221 » صاحب الملك بالهدايا والطرف ، فيستنزل له وعل جلاء شريف من شرفه ، ولو كان يهوديا ، وله استطاعة على أن يستعمل أمهر فقهاء الشريعة في تبرئته إن كان معيبا ومدّعى عليه ، أو استخلاص حقّه إن كان مدّعيا فيصيّرون له النور ظلاما ، والظلام نورا ، وأن يستخدم كتّاب الحوادث فيشيدون بذكره
--> ( 221 ) نجيّ صاحب الملك : من يفضي إليه بسرّه . ( م ) .