أحمد فارس الشدياق
249
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
ومنهم من يتواضع لجليسه وسامعه بأن يقول لا تؤاخذني يا سيّدي بما تسمع مني من اللحن ، فإنّي لم آخذ النحو عن أحد ، ولم يطاوعني الوقت على أن أتعلّم اللغة كما يجب ، وإنّما عرفت ما عرفت بالدربة والممارسة ، وهو عند ذلك ينتظر من سامعه أن يقول له : حاشا لك أن تلحن في شيء وأنت العلم المشار إليه بالعلم والبيان ، وأقسم إنه لم يطرق مسمعي شيء أبلغ من كلامك ، فأنت قسّ الفصاحة ، وسحبان البلاغة ، وأنت الذي تروى عنه نوابغ الكلم ، وتؤخذ عنه جوامع الحكم ، فيا ليت لنا في بلادنا نفرا يأخذون عنك هذه البدائع كيلا يضيع العلم من بيننا ، فأدام الله وجودك ومتّعنا ببقائك السعيد آمين . ومنهم من يقول : إن شأني يا جماعة الخير أن لا أرى عليّ لأحد دينا أو لوما ، أو منّة . ولو بتّ وعليّ لأحد دينار واحد لم تأخذني سنة ولا نوم ، وقد حاولت أن أغيّر طبعي هذا بطبع من طباع الناس فلم أقدر . وهو مع ذلك يترقّب جماعة الخير أن تقول له : نعم هذا الطبع ، لله سجاياك ما أكرمها ، وخلائقك ما أعظمها ، فيا ليت الناس جميعا يقتدون بك . ومنهم من إذا كتبت إليه كتابا تسأله عن شيء ضنّ عليك بجوابه إذ يراك غير أهل له . ومنهم من إذا رآك قد فتحت فاك للحديث معه ، أو مع جليس آخر ابتدر إلى قطع حديثك المفيد بأن يحكي حكاية سخيفة عن نفسه ، أو عن أهله وخادمه . ومنهم من يماريك في الحقّ الصريح ولا يذعن لبرهانك ، وإن كان يعلم أنه دونك في الجدال ، وآخر الكلام بينك وبينه هو أن يقول لك : هكذا كان رأيي وهذا هو قصدي ، فيوهمك بذلك أنك كنت كنت من الزائغين ، وأنه من الراشدين ، وذلك حتى يكون آخر الكلام إليه . ومنهم من يجادلك فيما لا يورثه فخرا ، ولا يكسبه ذكرا ، ولكن لمجرّد إظهاره إياك غالطا ، فإذا سألك مثلا كيف أنت ؟ وقلت له : بخير وعافية ، قال لك : ما أراك تدري ما العافية ؟ فإنّي لا أرى أثرها عليك . فتقول له : كيف وإني والحمد لله متملّ بصحّتي ، ويمرئني ما آكل وأشرب ، ويهنئني منامي وجلوسي . فيقول : ما هذا معنى العافية عند المحققين ، وإنّما هي أن تمشي منتصبا غير لاو على أحد ، أو شيء تراه عن