أحمد فارس الشدياق

228

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

أنصفت في الطلب ، ولكن أمهلني ريثما أقضي وطرا لي ، فيربطه بهذا الوعد ، ثم تمضي مدّة والرجل راكن إلى وعده ، فإذا سأله مرّة أخرى مطله بحيلة أخرى ، إلى أن يقول له أخيرا : قد استخدمت غيرك ، أو قد استغنيت عنك . إلا أن الإنكليز غالبا قد فرعوا من هذا الأصل فروعا لا تناسبه منها : أنّهم يعاشرون من يكون له عنده مصلحة شهورا وسنين ، فإذا انقطعت أسباب المصلحة انقطعت العشرة ، وإذا اشتريت من أحدهم بما قيمته ألف ليرة مثلا دفعة واحدة ، فإذا رآك في غير حانوته لم يلتفت إليك ، فلا يعرفك إلا في الدكان . عودة إلى حميد خصالهم ومن ذلك ، أي من الخصال المحمودة ، الحرص على ما يؤتمنون عليه ، فإذا سلّمت لأحدهم مثلا طرسا « 211 » فإنّه يصونه عنده بمنزلة طرس نفسه ، حتى إذا استرجعته بعد سنين أعاده عليك كما تسملّه ، بل ربّما أزال عنه الوسخ وردّه إليك نظيفا ، وقال لك : وهو معتذر قد تجاسرت على أن أزلت الطبع عن الطرس ، وأرجو أنّي لم أسيئ فيما فعلت ، وقس على هذا سائر ما تأتمنهم عليه . وينضمّ إلى ذلك احترامهم للرسائل ، فلا يفتح أحدهم كتابا جاءه باسم غيره ، بل يبذل جهده في إيصاله إليه ، وإذا زارك منهم زائر ، فلا يمدّ يده ولا طرفه إلى ما بين يديك من الصحف ، فإذا أراد أن ينظر في كتاب لم يلمسه إلا بعد أن يستأذنك . وفي بلادنا إذا أعرت أحدا كتابا أعاره هو إلى آخر ، والآخر إلى آخر وهلم جرّا ، فربّما لم يعد إليك منه عين ولا أثر ، بل يرى نفسه أولى به ، وإن لم يستفد منه إمّا لعدم قدرته على فهمه أو لكثرة أشغاله ، بل القسيسون أيضا لا يتورّعون من هذا . وإذا شرّفك بزيارته فأوّل ما يطمح نظر فإنما هو إلى أوراقك ، وحالا يمدّ يده ، ويخطف منها ما شاء ، فكأنما هو جاسوس جاءك ليطّلع على أسرارك لا ليأنس بحديثك . ومن ذلك أن أصحاب المراتب عندهم لا يقبلون المصانعة والرشوة من أحد لتنويل

--> ( 211 ) الطرس : الصحيفة . ( م ) .