أحمد فارس الشدياق
226
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
حشمة ولا انقباض ، فيرشدونها ، ويذهبون معها ، وليس للشرطي حقّ أن يدخل بيت أحد إلا بإذن الديوان لسبب خطير ، ولا يأخذ غريما محقوقا إلا من الطريق . وفي البلاد الشرقية إذا كلّمت المرأة بعض الشرطة أو العسس ليلا لم يلبث أن يمدّ إليها يده ، ويهتك حجابها . وهيهات أن ينتقم منه منتقم . وعندي أن عدم الهيبة والخوف على صغر هو الذي يورث جيل الإفرنج جميعا الإقدام والجرأة على الأمور ، والكلام ، ويزيدهم بسطة في الجسم والعقل ، ويبطئ بهم الشيب والهرم ، فإنّ إلقاء الرعب في قلب الصغير كلوافح الرياح العاصفة على الغرس ، فمتى تمكّن منه جعله بعد ذلك غير صالح للمساعي الجليلة ، وما عدا خوف الحكّام والظلام ورؤساء الديانة في بعض البلاد الشرقية ، فإنّ الأمّهات يزرعن في قلوب أطفالهن الخوف من العفريت والروح الشرير والخيال والظلام وغير ذلك ، فتبّت العادتان ، ولولا أن أهل الشرق من طبعهم التسليم للمقدور لما رأيت منهم أحدا تصدق عليه صفة الرجولية . وقد صار الآن كتّاب الأخبار في هذه الديار يلومون أرباب السياسة على قلّة الأمن للماشين ليلا في طرق لندرة ، وسبب ذلك رجوع أولئك المنفيّين كما ذكرنا ، إلا أن هذا عارض يرجى زواله . وكذلك فشا اللوم على خيانة البريد ، لعدم تسليم الرسائل ، إلا أنّه أيضا من الأمور الطارئة . صدقهم في الوعد ومن ذلك اختصارهم الكلام مع المخاطب إذا اعتمدهم بشيء ، فإذا احتاج الصغير إلى الكبير في شيء قال له : إنّي أرجو أن تكون من المحسنين إليّ بتنويل طلبتي فأكون لك من الشاكرين . فهذا يغني عن قولنا يا بدر الكمال ، ويا بحر النوال ، يا من يلتجئ إليه العافون ، ويحجّ إلى كعبة فضله العائذون ، ويا من صيته طار في الآفاق ، وملأ الألسن والأوراق ، ويا من ويا من ، فيكون جواب الكبير له بغير ملث « 209 » : سأبذل جهدي في مصلحتك ، وأخبرك . فهذا يغني عن قولنا : على الرأس والعين ،
--> ( 209 ) الملث : ملث فلانا : وعده وعدا لا ينوي الوفاء به . ( م ) .