أحمد فارس الشدياق

223

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

أيضا يعاملهم بمثل ذلك . أمّا عندنا فربّما تعطّلت مصالح الإنسان بكثرة زواره حتى يضطر أخيرا أن يحمل وسادته ، ويقول : شفى الله مريضكم . وهذه الصفة أي حسن الترتيب يظهر أثرها بزيادة من أهل الرئاسة والسيادة والإدارة منهم ، فإنّ رجال الدولة إذا أرادوا أن يباشروا أمرا من الأمور الجسيمة ، فإنّما يباشرونه بغاية الإحكام والضبط بحيث لا يوجب تغييرا ما في الأحكام ، ولا إزعاجا بشيء على الرعية ، فإذا اضطروا مثلا في وقت الحرب إلى تجنيد جيوش وتجهيز بوارج ، وذخائر فلا يكون ذلك موجبا لاضطراب الناس ، وتغيير أحوالهم ، أو لغلاء الأسعار . وإذا شاؤوا أن يجعلوا على الناس ضريبة لسدّ مصاريف الحرب ، أحيل ذلك على مجلس المشورة النائب عن الجمهور ، ومعلوم أن الإنسان ليهون عليه أن يؤدّي شيئا على يد نائبه أكثر من أن يؤدّيه على يد غالبة قاهرة . وفي بعض البلاد إذا شرعت الدولة في تجهيز العساكر للحرب رأيت جميع الناس يموجون في الأراجيف ، ويخوضون في التهاويل ، فيظلم إذ ذاك القوي الضعيف ، ويأخذ المرء بثأره من خصمه ، وتختلّ أسباب التجارة ، ويعدم الأمن بين المتعاملين ، فتكون غائلة الحرب مشعورا بها في داخل المملكة أكثر من خارجها . وقد كانت مدّة إقامتي في هذه البلاد قبل حرب الروس مع الدولة العليّة العثمانية ، وفي خلالها وبعدها فلم يتبيّن لأحد فرق في شيء ما أصلا . مصلحة البريد ( البوسطة ) ويلحق بذلك أن تحصيل لوازم المعاش في الصيف والشتاء يكون شرعا فلا يتعذّر وجود شيء منها بأحد الموانع ، وفي غير البلاد متى دخل الشتاء ، وهطلت الأمطار تعطّلت الطرق ، وانقطع المجلوب من المأكول والمشروب ، فترى كلّ واحد منجحرا في بيته إلى أن تتيح له فرصة الخروج ، فإذا لم يكن الإنسان قد حاكى النملة بأن اتخذ مؤنته في داره صيفا هلك جوعا . ومن أعظم ما يؤول إلى تنظيم الأمور ترتيب البوسطة وضبطها ، ففي سنة 1855