أحمد فارس الشدياق

221

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

ومن ذلك : الجدّ في المساعي ، وعدم الشماتة ، وكراهية العبث الموجب للتنافر والعداوة أو لنكاية الخصم في الكتابة . ولو كان عندنا بريد على الصفة التي هي عندهم ، لكنت ترى في كلّ يوم أهاجي وأحاجي تلقى في البوسطة ، ويبعث بها كما يبعث بالرسائل . نعم إنّ عندهم يوما مخصوصا في السنة يتراسل فيه المعارف برسائل مزحية ، ولكن من دون أذى وإيجاب تبعة . ومن ذلك عدم التهافت على الحسد ، فإذا رأوا عندك مثلا متاعا نفيسا لم يكن عندهم مثله لم ينفسوا عليك في إحرازه ، ولا يقولون : يا ليت كان لنا مثله . وخصلة النفاسة والحسد قلّما يخلو منها في بلادنا جسد . ومنها أنّهم يضبّون « 206 » على ما بهم ، فلا يتظلّمون ، ولا يجدّفون أيّ يستقلّون عطاء الله ، ولا يقولون ليس لنا ، وليس عندنا ، فكلّ واحد منهم يريك أنّه مستغن عنك ، ولا تكاد تسمع خادما يطعن في مخدومه ، أو خادمة تعيب مخدومتها ، وإن كانا يكابدان عندهما . أمّا في بلادنا فقلّما تجد خادما راضيا عن سيّده ، بل يعتقد أنّه هو أولى بالسيادة ، أو أن شرف مخدومه متوقّف على بقائه عنده . ومن هذا القبيل عدم بخس الناس حقّهم ، فإذا نبغ أحد فيهم في فنّ وصنعة لم يجد من يتصدّى لتجهيله ، وتخطئته حتى يوقفه عن تقدّمه ويطفئ جذوة قريحته ، وربّ دوحة نشأت عن فرع . لا بل يجد من ينشطه وييسر له أسباب العلم ، أما في بلادنا فإذا نبغ أحد في شيء بادره حسّاده بقولهم : هو مدّع ، هو حمار ، هو متطفّل . ومن ذلك أنّهم لا يتشبّثون بأعقاب الأقاويل ، ولا يأتون النميمة والغيبة إلا قليلا . فإذا سكن ما بينهم غريب وسمعوا عنه ما يكرهونه منه فلا ينقلون إليه ما سمعوا عنه ، بل لا يهمّهم ما قيل فيه ، وإنّما يعاملونه بما ظهر لهم من حسن سيرته خلافا للفرنسيس ، فإنّهم مثلنا في التعلّق بقال وقيل ، وفي الاستفحاص عن أحوال الجيران ، بل أهل البلد . ولمّا كنت في باريس كنت أتردّد على الكونت دكرانج ترجمان الدولة ؛ لما كان عنده من البشاشة بالغريب ولين الجانب ، وكان هو أيضا يتردّد عليّ إذا لزمه ترجمة أو إنشاء رسالة بلغتنا ، وإذ كنت أكلّمه ذات يوم في مصلحة لي ، قال

--> ( 206 ) يضبّون على ما بهم : يخفونه . ( م ) .