أحمد فارس الشدياق
194
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
اعتقادهم ، برأي اعتقادهم ، ويزعم أنها أبلغ في المعنى ، وأن الاعتقاد ليس بمرادف للإيمان ، فإنه إنما ينظر إلى أصل اشتقاقه وهو العقد ، وهو غير مفيد معنى الإيمان ، وكان يبدل ماء البحر بمياه البحر ، وهذا لا محظور منه إلا أن تبديله هوس ، وجزم بأن قولك في السؤال ما يكون لنا أبلغ من ما عسى أن يكون لنا ، وأن من ثم التي يؤتى بها للسببية غير كثيرة الاستعمال ، ولا تسدّ مسدّ ولهذا . وكان يزعم أن لفظة المعجزات ليست من كلام النصارى حتى وجدناها في نسخة رومية . ومن أشدّ وساوسه تجنبه للسجع والتركيب الفصيح غاية ما أمكن حتى إنه زعم أن ما في الترجمة من قوله خرجتم إليّ بعصيّ كلصّ ، سجع وحاول تغييرها ، فلم يقدر فتركها وهو آسف . وكذا وهمه في نلت خيراتك في حياتك ، وفي وكان هناك قطيع من الخنازير كبير ، فكان يقول هو من السجع الذي ينبغي مجانبته في كلام الله تعالى ، وكان كلّما رأى جملة تنتهي بالواو والنون أو بالياء والنون يقول : إنها مضاهئة لكلام القرآن فيبدلها ، حتى إنه رأى هذه الجملة وهي وأنتم على ذلك شهود ؛ فقال : إن هذا الوقف يشبه وقف القرآن ، فمن ثم بدلها بقوله : وأنتم شهود على هذا ، ووجدنا عبارة أخرى وهي وما هؤلاء بعابرين من هناك إلينا ، فقال : هذا التعبير فصيح فبدل عابرين بيعبرون . ولم أتعجب من تغييره وإنما تعجبت من أنه شعر بحسن هذا التركيب . وزعم أن قولك مثلا ؛ وكان رجل اسمه فلان أخصر من قولك يسمّى . وكلما رأى في الأصل عبارة كثيرة الألفاظ مما لا داعي له قال : إن ذلك للتقوية ، وإذا رأى فيه إجحافا ولو مع إخلال المعنى قال : إن فيه خذفا للبلاغة ، وكان يحاول أن يقال : واتفق أنه قال ، واتفق أنه افتكر ، فقلت له هذه لا يصح استعمالها مع الأفعال التي لا تقتضي الندرة في الاستعمال ؛ فلا يقال مثلا جاءني فلان ، واتفق أنه جلس ، فإنه لا ندرة في الجلوس بعد المجيء ؛ فقال وأين أنت من المحافظة على الأصل . والذي ظهر لي من أحواله أنه فضلا عن كونه شديد التعصب لتوراة ، فإنه كان يتّقي لوم خصمائه فإنه كان ذا خصوم كثيرة ، إلا أنه لا حمق أكثر من أن يترجم من لغة إلى أخرى بعين الألفاظ والتراكيب ، إذ لا يتصور بالبال أن لغة تطابق أخرى في التعبير فكيف يمكن أن يقال بالعربية : خرج الدخان من مناخر الله كما يقال