أحمد فارس الشدياق
189
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
ثم لما أخذت هذه العادة في العقم نتج عنها ذرور الرماد الأبيض على رؤوس خدمة الأشراف والعظماء ، وأصل هذه أيضا ، فيما قيل ، أن بعض المغنين كانوا يغنون في موسم صان جرمان بخارج باريس ، وبهم قرع ، فكانوا يبيّضون رؤوسهم ليضحكوا الناس ، ثم انتقلت هذه العادة كغيرها من العادات من العامّة إلى الخاصّة وذاع استعمالها في سنة 1614 . وفي سنة 1795 جعل عليها ضريبة ، وكانت حينئذ قد بلغت النهاية فجعل على كلّ رأس جيني ، ولم تزل إلى الآن . والحاصل أن أعظم الأسباب التي تبقي استعمال هذه العادات السخيفة إنما هو حصول النفع منها لخزنة الدولة ؛ فإنّه حيثما وجد الربح وجد السداد والرشاد ، ولو أن الديوان ضرب طسقا على اللحي والشوارب لما وسع الناس إلا أن يقولوا إن يد الرب على قلب الملك . ومن عادة العامّة الملاكمة ويقال لها : « البوكس » . وفي محفوظي أن رفاعة بك رحمه الله ذكرها في قلائد المفاخر بلفظة « البوكسة » وذلك إذا تخاصم اثنان أو تكاذبا فينزع كلّ منهما رداءه ، ويشمّر عن ذراعه ويصوّب إلى وجه قرنه جمع كفّه ، ثم يأخذان في اللكام حتى يغلب أحدهما ، وحينئذ ينهض الغالب المغلوب ، ويأخذ بيده ويشربان الشراب كالمتوادّين . والملاكمة للعامّة بمنزلة المسايفة « 181 » للعلية غير أن هذه محظورة يجب فيها الحدّ ، وتلك مسكوت عنها . وقد كانت سابقا بمنزلة الملهي في اجتماع الناس للتفرّج عليها . وفي أواخر القرن الماضي كانوا يتعلّمونها في المكاتب . تهافتهم على الشهرة ومن طبع الإنكليز عموما التهافت على الشهرة ، والنباهة بين أقرانهم بأي سبب كان ، ولا سيّما في أسباب المعارف والعلوم ، فإن من يعرف منهم مثلا بعض كلمات من اللغة العربية ، ومثلها من الفارسية أو التركية ، فإذا ألّف كتابا بلغته أدرج فيه كل شيء يعرفه من غيرها ليوهم الناس أنّه لغوي ، وما عليه أن يكتب تلك الألفاظ على
--> ( 181 ) المسايفة : المبارزة بالسيف . ( م ) .