أحمد فارس الشدياق

148

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

مخلّد ، فهنيئا للمصطلين ، وطوبى للمستدفئين ، أليس أن عبادة النيران في بلاد الفرس نشأت عن البرد كما قال ابن صاره « 134 » في المعنى : أحلّ لنا ترك الصيام بأرضكم * وشرب الحميّا وهو شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم فإنّها * أرقّ علينا من شلير وأرحم لئن يك ربي مدخلي في جهنّم * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم أثر المناخ في حياة البشر ثم إنه لا يخفى أنّ أهل البلاد الحارّة يكونون أذكى ذهنا ، وأسرع فهما من أهل البلاد الباردة ، إلا أنّهم لا يكون لهم جلد على الأعمال الشّاقّة لغلبة الترهل عليهم ، ولا عظم همّة لمباشرة المساعي الخطيرة ، ولا يمكن أن يلحقوا أهل البلاد الباردة في العزّ والغنى ، إلا أن يكون لبعض البلاد مزيّة خاصة بوجود المعادن وغيرها كبلاد الهند مثلا . أمّا سكان البلاد الباردة فيتحمّلون مشاقّ الأعمال ، ويستطيعون إدمان السعي ويعمّرون أكثر ؛ ولهذا كان جلّ الفاتحين والغازين من الشمال ، وكأن جزيرة العرب مستثناة من هذا الحكم ، إلا أنّ أيّامهم في الشتاء تكون قصيرة جدّا ؛ فيضطرون إلى العمل ليلا . وربّما كنبت « 135 » أيديهم من شدّة البرد . وفي كتاب منسوب إلى أرسطو : أن أهل البلاد الحارّة يعمّرون أكثر من أهل البلاد

--> ( 134 ) الأبيات السابقة لابن صارة وهو أبو محمد عبد الله بن صارة ، توفي سنة 507 بمدينة المرية بالأندلس والأبيات يصف فيها البرد في جبل شلير الذي يقال له جبل الثلج في الأندلس أو جبل البيرة ، وهو يرى من أكثر بلاد الأندلس ، كما يرى من عدوة البحر ببلاد المغرب . ( م ) . ( 135 ) كنبت : ثخنت ، وغلظ جلدها . ( م ) .