أحمد فارس الشدياق

147

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

لكن بيت المتنبي سالم من الضرورات . وقلت أنا من قصيدة طويلة : ما إن يحيل حؤول في هوائهم * هوى نفوسهم عن مذهب الخير إشارة إلى أنّ تقلّب الهواء عندهم لا يغيّر طباعهم عن فعل الخير ، والخير بالكسر الكرم والشرف والأصل والهيئة . شكواهم من البرد وفي الحقيقة فإنّه عند شدّة البرد هنا لا يفكر الإنسان إلا في الاصطلاء ، ولا تزال تسمع من كلّ من تلقاه لفظة البرد ، وإذا تفوه بها فرك يديه وتأفّف ليدلّ على صدق ما يقول ولا سيّما النساء ، حتى إنّهم ربّما قالوا ذلك في يوم لا برد فيه ، فكأن ألسنتهم مرنت على ذلك . وكثيرا ما تقرأ ذلك أيضا في كتبهم ، ويسمّون المرأة « رفيقة الموقد » والإضافة بتقدير عند . وقد جرت العادة عندهم بأنه لا يحرّك النار إلا من كان من أهل البيت ، أو من طالت ألفته بهم . ألفتهم للنار وفي الجملة فإن النار أليفهم مدة ثمانية أشهر في السنة ، وبهذا تعلم أنهم لا يرون في وصف الجنة نعيما لأن الإنسان إذا كان مقرورا لا يشتهي أن يسمع بذكر المياه والظلال والأشجار ، بل كانوا يقولون : تلك الجنة نيرانها مضطرمة ، ومواقدها محتدمة « 132 » ، وحضبها معتّد « 133 » ، وحطبها منضّد ، وفحمها مؤبّد ، ومسعرها

--> ( 132 ) محتدمة : ملتهبة . ( م ) . ( 133 ) خضب النار : ألقى عليها الحطب لتتّقد ، ومعتّد : مهيّأ . ( م ) .