أحمد فارس الشدياق
144
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
تكون المسالك وحلة ، فلهذا يمكن أن يقال : إنّ أهل المدن أكثر حركة ورياضة من أهل الأرياف ، وبذلك تحصل الموازنة ما بين طيب هواء هؤلاء ، ووخامته عند أولئك ، وقد سبقت الإشارة إليه . فأمّا من ابتلي بالسّل والربو ، أوضيق الصدر فلا يصح له مقام من هذه البلاد أيّا كان . وكما أنّ لياليهم في الشتاء تكون طويلة جدّا ، فإنّ النهار إذ ذاك عبارة عن ثماني ساعات ، كذلك تكون في الصيف قصيرة جدّا ؛ فإنّ النهار في شهر حزيران يكون ستّ عشرة ساعة ونصفا ؛ فيكون الليل كلّه كالشفق إلا أن يلبس الجوّ الغيم والدكنة . ولنذكر لك جملة من الكلام على الهواء هنا لتتخذها قانونا تقيس عليه ، فأقول : إنّه في الثاني عشر من شهر تشرين الأول أحوج البرد إلى أيقاد النار ، وكنّا نرى أهل القرية كلّهم يصطلون ، فحذونا حذوهم ، وبقيت الشمس أياما عديدة لا ترى إلا لمحا ، وكانت تطلع في الساعة السادسة ، وتغرب في الخامسة ، ولا يكاد يكون بعد غروبها شفق . وفي الواقع فإن النار عندهم تقوم مقام الشمس ، فإنّهم ينشّفون عليها الثياب ، ويتلذّذون بالنظر إليها ولا سيّما إذا كانت ذات لهب . وقد بلغت منهم ألفتهم بها بحيث إذا جلسوا في الصيف حين يستغنون عنها يطوفون بالموقد ويؤثرونه على الجلوس عند الشبابيك ، إلا أنه من يجلس عند الموقد فلا بدّ له من أن يغسل يديه ووجهه في اليوم مرارا حتى إن غلالته تتسخ من أثر الفحم من تحت ثيابه . وفي الرابع والعشرين من الشهر المذكور كانت الشمس تطلع في الساعة السابعة ، وتغيب قبل الساعة الخامسة . وفي السادس من تشرين الثاني كانت تطلع عند الثامنة ، وتغيب بعيد الرابعة . وفي هذا الشهر يكثر وقوع الضباب فيأخذ بالكظم « 129 » إذ المشي فيه لا يخلو من بعض أذى بالبصر ، ويسمّون هذا الشهر « نحّار الأعناق » . وقبل عيد الميلاد كان صحو عظيم ؛ فكانت الشمس ترى عامة النهار ، ولم يكن البرد يحوج إلى الاصطلاء ، وإنّما كنّا نوقد النار لمجرد الارتياح إلى رؤيتها كما هي
--> ( 129 ) الكظم : مخرج النفس من الحلق . يقال : أخذ بكظمه : أي جعل تنفسه عسيرا . ( م ) .