أحمد فارس الشدياق
129
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
منه في أيام الآحاد . ومن كان ذا يسر قليل اشترى قطعة لحم في يوم السبت وطبخها وتبلغ بها عامّة الأسبوع باردة ؛ إذ ليس تسخين الطعام مألوفا عندهم فهم أحرى أن يأكلوه بائتا مذ أيام من أن يسخّنونه ، ولمّا طلبت من المرأة التي كنت نازلا عندها تسخين طعام بقي لي من الغداء لم تكد تفهم مني إلا بعد شرح وتفسير ، وراح كلّ منّا يتعجّب من صاحبه . وليس في القرى مواضع للّهو والحظّ ، وإذا أرادوا اللهو عمدوا إلى أجراس الكنيسة يضربونها فتقوم عندهم مقام آلات الطرب . ومن الحظ عندهم أن يجلس الرجل مع امرأته ينظران إلى الخنانيص التي يربّيانها أو إلى ما يزرعانه من خسيس البقول في عرصته ، فإنّ لكلّ منهم في الغالب بضع أذرع من الأرض أمام بيته يزرع فيها نحو الفجل والكرنب وما أشبه ذلك ولولا ذلك لكانت عيشتهم شرّا من عيشة البهائم . صعوبة الحياة في الريف وقد ترى في القرية دكّانا فيه نفاية ما يباع من الشمع والصابون والسكر والبن والشاي ، وبيتا حقيرا يباع فيه شيء من البصل والبطاطس والحلويات الرديئة والتفاح المسيخ تنظرها من طاقة البيت ، ولو اشتريت ذلك جميعه لما بلغت قيمته خمسين قرشا . وفي أوان الشتاء لا يمكن للإنسان أن يخرج من منزله لاستنشاق الهواء وذلك لكثرة الوحل في الطريق فقد يمكث عدّة أيّام رهين بيته . وليس في القرى خيل أو حمير أو بغال أو عواجل تكرى فليس إلا مركوب النعل ، وقد يكون لبعض المتشبّعين عجلة يحركونها بأرجلهم إذا أرادوا أن يذهبوا من قرية إلى أخرى فتجري بهم من دون حصان ولا حمار ، وبعضهم يكون له عاجلة صغيرة مفتوحة يجري بها حصان صغير فمثل ذلك لا يدفع عليه شيء للميري ؛ فأما العواجل المعتادة ، والخيل فلا بد من الأداء عليها كما سيأتي بيانه في محله . وكنت كلّما اضطررت إلى المؤنة ذهبت إلى البلدة ماشيا ، ومرّة اضطررت إلى أن أذهب في التابوت الذي ينقل فيه الدّمان « 119 » ، لكنّه كان فارغا . وعلى فرض أن
--> ( 119 ) الدمان : الزبل . والتابوت : الصندوق . ( م ) .