أحمد فارس الشدياق

127

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

عمر السمكة بعد صيدها أطول منه قبله . ولكن ربيب الثلج هذا لا وجود له إلا في المدن . الغنى والفقر في إنكلترة ومن قدم إلى لندرة ورأى فيها تلك الحوانيت العظيمة والأشغال الجمّة والغنى والثروة حكم على جميع الإنكليز بأنّهم أغنياء سعداء ، ولكن هيهات ؛ فإنّ أهل القرى هنا كأهل القرى في الشام بل هم أشدّ قشفا . وكثيرا ما تقرأ حكايات تدلّ على بؤسهم ، وقشف معيشتهم ممّا لا يقع في بلاد أخرى . فمن ذلك حكاية عن حائك شكا حاله إلى إحدى النساء المخدومات فقال : « يا سيدتي إنّي حائك وإنّ لي امرأة وثلاثة أولاد بقوا من عشرة فجعت بهم ، ودخلي من كدّي الليل والنهار لا يزيد على سبعة شلينات في الأسبوع ، ولكن عليّ أن أعطي منها شلينا واحدا لأجل النول ، وأربعة في الشمع الذي أسهر عليه . فقالت له : وكيف تعيش على هذا الدخل القليل ؟ قال : على قدر الإمكان . ألا وقد مضى علينا ستة أشهر لم نشتر فيها رطلا واحدا من اللحم ، بل لا نقدر على مشترى الحليب إلا بالجهد ؛ فجلّ طعامنا إنّما هو الشعير وحساء الماء . وقد يكون لنا في بعض أيام الآحاد ادام من البطاطس . أمّا أنا فلا أبالي فإنّي قد ألفت البوس ، والضنك ، ومذ سنين عديدة لم أعرف شيئا من الدنيا سوى الكدّ والكدح المبرح على قلّة الأجرة ، ولكن همّي بالأولاد ، وبأمّهم النحيفة . فقوله : إنّه لم يقدر على شراء الحليب مع كونه في الريف أرخص الأشياء بالنسبة إلى غيره يغنيك عن مزيد البيان فيما يكابده هؤلاء الناس . وكثيرا ما تقرأ أيضا في صحف الأخبار عن أناس تركوا أولادهم من الإملاق ، أو ماتوا من الجوع والبرد ، أو النوم على الأماكن القذرة ، أو اعتفدوا « 117 » فماتوا جوعا . نعم إنه يوجد مستشفيات وملاجئ يقوم بها الأهلون إمدادا للفقراء والعاجزين ونحوهم إلا أنها ربّما كان عدد من فيها لا يقبل الزيادة ، أو كان اللبث فيها ضنكا أو الدخول إليها صعبا ونحو ذلك .

--> ( 117 ) اعتفد : أغلق بابه على نفسه ، لا يسأل أحدا حتى يموت جوعا . ( م ) .