أحمد فارس الشدياق
102
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
ضرورة أنّهم لم يطّلعوا على محاسن أصلها الذي حلّئوا « 106 » عنه . نعم إن أهل الشام ومصر والحجاز وغيرهم قاصرون عن اللحاق بأهل العربية الفصحى ، ولكن ما منهم إلا من يشعر بقصوره عنها ، ويدري عظم التفاوت بين الطرفين ، وكلّ يودّ لو يصل إلى درجة الكمال في معرفتها ، وكنت ذات يوم سائرا مع جماعة منهم فأخذ أحدهم يصف لغتهم ، وجعل من محاسنها اجتماع الألفاظ العجمية فيها كأنه يقول : إنّها انتقت ما شاق وراق فمثلها مثل العجوز التي رأت زوجها يزني . تعصّب المالطيين ضد العرب ولشدة تعصّب المالطيين على أهل العربية وتشنيعهم عليهم ، إذ كان منتهى السّب عندهم أن يقولوا عربي ، كان الإنكليز وسائر الإفرنج أقرب منهم إلى تعلّمها غالبا ، ولو كان عند أولئك ركن منها عظيم ، وذلك أن المالطي العنيد إذا سمع في العربية مثلا لفظة خرج ، وكانت عادته منذ نطق أن يقول حرج فلا يرى في ذلك كبير فرق ، ولا يرى أن نقطة صغيرة تقوّم المعنى أو تفسده بخلاف من يتعلّم من أول الأمر أن يقول الكلمة على حقّها . وكانوا إذا سمعوني وصاحبي نتكلّم قالوا ليس من فرق كبير بين اللغتين إلا عجمة في لغتهم يعنوننا ، ولا يخطر لهم ببال أن لغة لم تضمّن بطون الأوراق ، ولم تضبطها الأحكام النحوية لا تكفي النوع الإنساني . وقد تصدّى مرّة أحد مؤلفيهم إلى تأليف كتاب نحو فيها ، فكتب بعد طالعته : « ألف بتو اللغة المالطية » ، ثم ذكر العين بعد الألف ، فكان خلفا لأن جميع اللغات التي تبتدئ بهذا العنوان تكتب فيها الباء بعد الألف ، فلمّا وقفت على ذلك كتبت له : يا قائلا ألفا بتّو * وبعدها ألف عين
--> ( 106 ) حلئوا عنه : انفصلوا ، وبانوا . ( م ) .