الغزي

48

نهر الذهب في تاريخ حلب

وقتلوا الصباح بن عمارة والي قنّسرين . ثم إن سيف الدولة اشتغل عن النهوض إليهم بوفود طرسوس فتمادت أيام مسيره وزاد ذلك في طمع البوادي . ثم قدّم مقدّمة إلى قنّسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر هذه السنة . فأقامت المقدمة أحد عشر يوما أملا أن ترعوي البادية فلم يرتدعوا . فبرز سيف الدولة إلى ضيعة يقال لها الراموسة على ميلين من حلب في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر ، وسار عنها في يوم الأربعاء فنزل تل ماسح وراح منه فاجتاز بمياه الحيار فطواها وتلقته مشيخة من بني كلاب وغيرهم فطرحوا نفوسهم بين يديه وسألوه قبول تسليمهم إليه . وقصد سلمية فلما كان سحر يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر تجمعت الأعراب ، كعب ومن ضامّها من اليمن ، في عدّتها وعدّتها ، وحبسوا ظعنهم بماء يقال له حيران ، على نحو مرحلة من سلمية ، وبعضهم بماء يقال له القرقلس وراءه . ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية . فركب لهم ووقع الطراد فلم يمض إلا ساعات حتى ركب أكتافهم وولّوا واستحر القتل والأسر بآل المهيا ووجوه عقيل وقوادها ، وأسر خويلد بن عوسجة بن منصور بن المهيا ، وشداد النعمي ، وجه بني نعمة . فأطلق جمعهم منّا عليهم مع عدد كبير وأسروا وأطلقوا ، وقتل من جمعهم نيّفا وخمسين رجلا ، وأخذ منهم نحو مائتي فرس ، ودروع من كان عليها . ورحل سيف الدولة ضحوة نهار الجمعة متبعا لهم فأسرعوا لترحيل بيوتهم فوافى ماء حيران بعد الظهر فوجد آثار جفلتهم ، وسار إلى ماء القرقلس وأمر بالنزول عليه . ثم عنّ له رأي في اتّباعهم فرحل لوقته إلى ماء الغنثر يوم السبت النصف من صفر ، وتسع بقين من حزيران ، وقدّم خيلا فلحقت ما لهم وحازته ، فنزل على الغنثر قبل نصف الليل وقد امتلأت الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرحال ، وقد تفرقت خيولهم واشتبهت عليهم الطرق ، فوقع أصحابه على عدة منهم فقتلوهم . وسار وقت السحر إلى تدمر فنزل ماء الجباه على سبعة وعشرين ميلا من الغنثر ، وتفرقت خيله في طلب الفلول فساقت الماشية وقتلت عدّة ، وسار سيف الدولة من تدمر نحو السماوة فقتل وأسر وصفح عما ملكه من الحريم ، ثم رجع من السماوة شفقة عليهم من الاستئصال لأن الكثير منهم يموتون عطشا وجوعا . وقد قصد فريق منهم جهة القلمون مما يلي دمشق . ثم عاد سيف الدولة إلى