الغزي
17
نهر الذهب في تاريخ حلب
دامس ، ويكنى أبا الأهوال ، كان أسود بصاصا كالنخلة السّحوقة « 1 » إذا ركب الفرس العالي تخطّ رجلاه بالأرض . وكان شجاعا قويا ذا حيلة وبراعة فطلب من أبي عبيدة أن يؤمّره على ثلاثين فارسا فأمّره . وقال له دامس : ترحل أنت بجيشك على فرسخ منا وتأمر جماعتك بقلة الحركة والاستتار ما استطاعوا ، ويكون لك رجال ثقات يتجسّسون عن أخبارنا ، فإذا بشّروك بظهورنا على أعدائنا « 2 » فتلحق بنا إن شاء اللّه تعالى . فأجابه أبو عبيدة إلى ما طلب ونهض لوقته بجيشه وسار مسافة فرسخ كأنه يريد الانصراف . ونهض دامس بجماعته حتى أتوا كهفا في الجبل وكمنوا فيه ففرح الروم وظنوا أن المسلمين قد انصرفوا عن قتالهم وأرادوا أن ينزلوا من القلعة ويتبعوا المسلمين فنهاهم يوقنا . ولما كان الليل عمد دامس إلى جلد ماعز فألقاه على ظهره وأخرج كعكا يابسا وقال لأصحابه : اتبعوني . فسار نحو القلعة وأطار رجلين إلى أبي عبيدة ليبعث لهم الخيل عند طلوع الفجر . وصعد دامس ومن معه إلى الجبل تحت الظلام يمشي على أربع ، وكلما أحس بشيء قرض في الكعك كأنه يقرض عظما ، وأصحابه من ورائه يقفون أثره حتى لاصقوا السور ، وكان الظلام شديدا ، فأتى من السور مكانا قريبا قد نام حرسه واختار سبعة من رجاله أقوياء وجلس القرفصاء وأمر أحدهم أن يجلس على منكبيه ويعتمد بقوّته على الجدار ، ففعل وأمر الثاني أن يفعل مثله . ثم لم يزل يصعد واحدا بعد واحد إلى أن صعد الثامن فأمر أن يستوي قائما ثم أمر الثاني من تحته واحدا بعد واحد إلى أن قام هو ، فإذا الثامن قد وصل إلى شرفة السور فتعلق بها واستوى على السور ، فوجد حارس ذلك المكان نائما ثملا ، فرماه إلى أصحابه ثم أدلى عمامته لصاحبه ونشله إليه ثم حذف لهما دامس حبلا وجعلوا ينشلون بعضهم إلى أن تكاملوا على السور ، وكان آخرهم دامس ، فاستبقاهم مكانهم وقصد بابي القلعة فرأى الحرس سكارى نائمين ، ففتح البابين وتركهما مردودين وعاد إلى أصحابه وقد قرب الفجر ، فأقام خمسة منهم على الباب وأرسل واحدا يستعجل خالدا ، ومشى بالباقين نحو دار يوقنا ، فصاحوا ، وجاءتهم الأبطال وصاح يوقنا بأصحابه فأتوا من كل جانب وقاتلوا قتالا شديدا فلم يفدهم ذلك شيئا واشتبك الفريقان ببعضهما .
--> ( 1 ) البصّاص : الذي ينظر بتحديق - والسّحوقة : العالية . ( 2 ) أي بانتصارنا عليهم .