الغزي

85

نهر الذهب في تاريخ حلب

وأما دينهم ومروءتهم فيكفيك بالاستدلال عليهما أن حلب مهما كثرت فيها أسباب الفساد أخيرا ، فهي بذلك لم تزل دون بقية البلاد التي تضاهيها بالسعة والثروة . وأهل حلب لأولياء الأمور من أطوع خلق اللّه تعالى وألينهم عريكة وأقلهم معارضة . حتى قال دارفيو في تذكرته السابق ذكرها : لا يبعد عندي أن تكون هذه المدينة سميت بحلب أخذا من ملاءمة أخلاق أهلها . فكأن شمائلهم الحلب الذي يساغ في الخلق بأدنى كلفة . قلت : ومن حسن شمائل أهل حلب إقبالهم على أعمالهم وقناعتهم بالارتزاق من تجارتهم وقلة تهافتهم على وظائف الحكومة . والغالب عليهم حسن الخلق وسلامة الصدر من المكر والخديعة وصفاء الألوان وجودة الأفكار ودقة الأنظار ، واستعمال الروية وترك العجلة والتهور فيما يبهم أمره وتجهل عاقبته عليهم . وأما رخص أسعار بضائعها من المأكولات وغيرها قبل الحرب العامة فيغنينا عن إطالة الكلام فيه إيراد نموذج يعرف منه أيضا سعر ما لم نذكره من بقية بضائعها فنقول : إذا كانت السنة متوسطة أي كانت حالتها دون الخصب وفوق الجدب بيع فيها الشنبل من أعلى أنواع القمح بخمسة وسبعين قرشا . ومن الشعير كذلك بأربعين . ومن العدس بخمسة وستين . وبيع القنطار من الفحم الجيد بمائة وخمسة وعشرين قرشا ، ومن الحطب السنديان بسبعين ، وبيع الرطل من لحم الضأن المسمّن الجيد الخالص من العظم بخمسة عشر قرشا ، ومن زيت الزيتون العذب الصافي والعسل المصفى الأبيض والصابون الحلبي الجيد باثني عشر قرشا . ومن السمن الحديدي الذي لا نظير له في غير حلب بخمسة وثلاثين قرشا ، ومن الدبس العينتابي الجيد بثمانية قروش ، ومن أعلى أنواع العنب بثلاثة قروش ، ومن البطيخ والخيار والمشمش والفاولة والتوت والجانرك والرمان والتفاح والقرع السلاحي والبصل والعجور والبرقوق والإجّاص والخوخ والدرّاقن والسفرجل بقرش ونصف القرش . وأما منسوجاتها فإن الرجل الفقير كان قبل الحرب العامة يمكنه أن يعمل منها في السنة أربعة أثواب من نسيج حلب ، بطانتها من البزّ الفرنجي يصرف عليها ثمانين قرشا تكفيه عامة عامه . أما أجور البيوت والمنازل في حلب فقد كانت في حلب رخيصة جدا لأن الدار المشتملة على أربعة مساكن مع بقية المرافق والمنافع تؤجر عن سنة كاملة في متوسط