الغزي
54
نهر الذهب في تاريخ حلب
وفاضت عيون من نواحيه ذرّف * ولمّا تعاونها جفون وآماق « 1 » ومنها : هو الماء إن يوصف « 2 » بكنه صفاته * فللماء إغضاء لديه وإطراق ففي اللون بلّور وفي اللمع لؤلؤ * وفي الطعم قنديد « 3 » وفي النفع درياق إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه * وقد لاح وجه منه أبيض برّاق فطورا عليه منه زرق حقيقة * وطورا عليه جوشن منه رقراق وكم عنده نيلوفر متشوّف * رؤوس كتبر والزبردج أعناق وقد عابه قوم ، وكلّهم له * على ما تعاطوه من العيب عشّاق يهاب قويق أن يملّ فإنما * يقيم زمانا ثم يمضي فيشتاق وقالوا أليس الصيف يبلي لباسه * فقلت : الفتى في الصيف يقنعه طاق وما الصبح إلا آئب ثم غائب * تواريه آفاق وتبديه آفاق وله فيه أيضا : قويق على الصفراء ركّب جسمه * فما لهب القيظ الأليم يطابقه إذا جدّ جدّ الصيف غادر جسمه * ضئيلا ، ولكنّ الشتاء يوافقه قال ابن الشحنة : يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنتحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء وأن قويقا يقل ماؤه في الصيف حتى يصير حول المدينة كالساقية . قال : وقد فهمت من هذا أمرا بديعا وراء ما ذكره ابن شداد ، وهو أن قويقا تصغير قاق الطائر المعروف ، وهو يخالف طبعه الحرّ ، فيكون في غاية الضعف صيفا وفي غاية النشاط شتاء . ثم قال : عن ابن شداد عن أبي النصر محمد بن إبراهيم الخضر الحلبي « 4 » :
--> ( 1 ) في الأصل : « وأوراق » سهو من المؤلف ، وهي قافية البيت الذي قبله في القصيدة . والتصويب من ابن الشحنة والديوان . ( 2 ) في الأصل : « يصف » والتصويب من ابن الشحنة والديوان . ( 3 ) في الأصل : « قندود » تحريف . والقنديد : عسل قصب السكر إذا جمد . ( 4 ) أبو نصر الحلبي : هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر ، توفي سنة 655 ه .