الغزي

396

نهر الذهب في تاريخ حلب

قال بطليموس : مدينة منبج طولها ( 71 ) درجة و ( 15 ) دقيقة . وهي في الإقليم الرابع وكانت مدينة كبيرة واسعة وافرة الخيرات في فضاء من الأرض وكان عليها سور مبني بالحجارة محكم البناء . وبينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ وشرب أهلها من قنّي تسيح على وجه الأرض وفي دورهم آبار أكثر شربهم منها لأنها عذبة صحيحة . قلت : وهي التي عناها المتنبي بقوله : قيل بمنبج مثواه ونائله * في الأفق يسأل عمن غيره « 1 » سألا وقال ابن قتيبة في أدب الكتاب : كساء منبجاني ولا يقال أنبجاني . ومن منبج الشاعر البحتري وأبو فراس . وقبلهما ولد بها عبد الملك بن صالح الهاشمي وكان أجلّ قريش ولسان بني العباس ومن يضرب المثل ببلاغته . وكان لما دخل الرشيد إلى منبج قال له هذا البلد منزلك قال يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك قال فكيف بناؤك به . فقال دون منازل أهلي وفوق منازل الناس . قال وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم قال ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به وأقفوا أثره وأحذو حذوه قال فكيف طيب منبج . قال عذبة الماء طيبة الهواء قليلة الأدواء قال كيف ليلها قال سحر كلّه قال صدقت إنها لطيبة . قال بل طابت بأمير « 2 » المؤمنين وأنّى يذهب بها عن الطيب وهي برّة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء فيافي منبج بين قيصوم وشيح . فقال الرشيد : هذا الكلام واللّه أحسن من الدر النظيم . أقول : قوله ( سحر كله ) أخذه الطائي فقال : أيامنا مصقولة أطرافها * بك والليالي كلّها أسحار ومن وصف ليالي الصفا قول أبي علي محمد بن الحسين الحاتمي : يا ربّ ليل سرور خلته قصرا * كعارض البرق في أفق الدّجا برقا قد كاد يعثر أولاه بآخره * وكاد يسبق منه فجره الشفقا كأنما طرفاه طرف اتفق ال * جفنان منه على الإطباق وافترقا

--> ( 1 ) في الأصل : « غير » خطأ ، والتصويب من الديوان . ( 2 ) في الأصل : « يا أمير المؤمنين » فرجّحنا ما أثبتناه . ويمكن أن تقرأ : « طابت بك يا أمير . . . » .