أحمد بن محمد المقري التلمساني

47

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ثم قال لسان الدين رحمه اللّه تعالى ، بعد ما سبق ، ما صورته : وهذا الغرض بحر ، ويكفي من خزائنه عرض ، ومن بيت ماله قرض ، إن شاء اللّه تعالى . ثم قال : تنبيه يشتمل على سؤالين : أحدهما أن يقال : الوعظ غير مناسب للمحبّة ، إذ لا يحصل إلّا بعد الفراغ واليقظة ، الثاني : أن يقال : عظمتم الحسرة لفراق عالم الحسّ ، وأطلتم في قشور ، فنجيب عن الأول : إنّا لم نجلب الوعظ إلّا بين يدي تأميل حضور المحبّة ، فكأنه يجري مجرى الأسباب ، فإن الغرض به وجهة النفس من جوّ السرور ، واللعب بالزور ، إلى جوّ الحزن والارتماض ، ومن هنالك تأخذ بخطامها أيدي الاضطرار ، فتحصل اليقظة ، ثم التوبة ، ومنها يستقيم الطريق في منازل السائرين إلى الحقّ : [ الكامل ] والنفس راغبة إذا رغّبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع وعند ذلك يطوى بساط الزجر والوعظ ، ويمدّ بساط الاعتبار والحبّ ، إن شاء اللّه تعالى ، فإنها كالثّكلى بطبعها لما فارقته من عنصر نور اللّه تعالى ، والعوالم الروحانية التي هي الشعار والدثار « 1 » ، والأمل والدار ، والحياة والجمال ، والوجود والكمال ، وإن كانت لا تشعر بالسبب ، ولا تستحضر ذكر العلّة ، فإذا ذكر الفراق أنت أو تنوشدت الآثار حنّت ، ويطرقها الحزن عند الألحان الشجيّة « 2 » ، وتحسّ بعض الأحيان بالمواجد العشقية « 3 » : [ الطويل ] وقالوا أتبكي كلّ قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللّوى والدكادك فقلت لهم : إنّ الأسى يبعث الأسى * دعوني فهذا كلّه قبر مالك وعن الثاني : إنّ كثيرا من النفوس لا تشعر بوجود عالم الحسّ ، فضلا عن النظر فيه ، وإن شعرت بذلك عدّ منها نبلا ، ومن كان بهذه المثابة لا سبيل لندائه إلّا من باب القشور أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ سورة فصلت ، الآية : 44 ] إلى أن يتأتّى النداء من باب اللّه تعالى بفضل اللّه تعالى ، فالنفوس الشخصية غير متساوية ، وهي بهوى الهوى هاوية ، فالقريب منها يجذب بالأنامل ، والبعيد بالجزل الكوامل ، وعلى قدر المحمول تكون قوّة الحامل : [ الكامل ] يضع الهناء مواضع النقب « 4 »

--> ( 1 ) الشعار : ما يلي الجسد من الثياب . والدثار : ما يكون فوقه . ( 2 ) الألحان الشجية : المطربة مع الحزن والوجد . ( 3 ) البيتان لمتمم بن نويرة من مرثية له في أخيه مالك وهو قتيل خالد بن الوليد في حروب الردة . وقد ظل متمم يرثيه ويبكيه حتى صارت له عين غائرة بالدمع . ( 4 ) عجز بيت لدريد بن الصمة ، وصدره : « متبذلا تبدو ومحاسنه » .