أحمد بن محمد المقري التلمساني

25

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

والتشبّع ، والتعقّب والتتبّع ، ولم يغن العراك ، ووقع في ثمرتكم الاشتراك ، فالفيلسوف يتّحد بالعلّة القريبة من الخلق ، ثم يتلاشى في ذات الحقّ ، والحكيم يجوز إلى عين الحقّ رتبة الفناء المطلق ، والمتشرّع قد عضده ونصره ، « كنت سمعه وبصره » « 1 » ، وإن كان معظم القول الهذر ، ففيكم بعد نظر . وكان في أخرى : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] أنتم الأحباب ، ولكم يفتح من الجنان الأبواب ، ركبتم ظهور الأعمال ، وركب غيركم ظهور الآمال ، وفزتم بسحب الأذيال « 2 » ، ومن دونكم يحرك مناكب الخيال « 3 » ، فبدايتكم الأساس الوثيق ، الذي يبنى عليه التحقيق ، ونهايتكم إليها ينتهي الطريق ، وبها يحطّ فريق اللّه تعالى ونعم الفريق ، أولكم المقرب المدرّب ، وأوسطكم الفرد المعرب ، وآخركم الولي المقرب ، حضرتم بذكر محبوبكم حتى غبتم ، فهنيئا لكم طبتم ، حواسّ مسدودة ، وخيوط أفكار كلّها ممدودة ، ومشاهد مشهودة ، ومغلطات تتجاوز حرّاسها ، وقواطع معترضة بحلّ مراسها ، إلى أن لا توجد تقيّة ، ولا تبقى بقيّة ، عند تجلي المعالم الخفيّة ؛ لو اشتمل العلم على عملكم ، لكان الكلّ من هملكم ، بحيث تتعيّن المراتب وتتميّز ، وتتفرق « 4 » المشارب وتتحيّز ، فلا يعترض قاطع إلّا وقد علم شأنه ، وتعين وقته ومكانه ، ولا تمثل غاية إلّا ودرجها محدودة ، ومراحلها معدودة ، ومشاهدها قبل دخول الطريق مشهودة ، فهناك تطوى المراحل ، ويلوح في اللّمحة القريبة الساحل ، ويأمن طول الطريق الواصل . وكان في رقعة المحبين الذين قربوا قبل هذا اليوم وأدخلوا ، من بعد ما تخيّروا للاصطفاء وانتخلوا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ سورة آل عمران ، الآية : 33 ، 34 ] أنتم الأحباب ، ولباب اللّباب « 5 » ، وبواسطتكم « 6 » اتصلت بين النفوس وبين الحقّ الأسباب ، لولاكم لم يفتح الباب ، فلا يصل إلّا من أوصلتم ، ولا يحجب إلّا من قطعتم وفصلتم ، أنتم الرعاة

--> ( 1 ) هذا جزء من الحديث القدسي : « ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » . أخرجه البخاري ج 8 / 105 . ( 2 ) سحب الأذيال : كناية عن الخيلاء وهي مشية يكرهها اللّه . ( 3 ) في ب « يحوك عناكب الخيال » . ( 4 ) في ب « وتتقرر المشارب » . ( 5 ) في ب « ولباب الألباب » . ( 6 ) في ب « وبوساطتكم » .