أحمد بن محمد المقري التلمساني

5

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحباكم من آلائه « 1 » بالحسنى والزيادة - من حمراء غرناطة حرسها اللّه تعالى ، وليس - بفضل اللّه سبحانه ثم ببركة مقامكم أيّد اللّه تعالى سلطانه - إلّا الخير الأكمل ، والبر « 2 » الأشمل ، والحمد للّه كثيرا كما هو أهله ، فلا فضل إلّا فضله . وأمّا الذي عند معظم أمركم من الإعظام لمقامكم والإكبار ، والثناء المردد المجدد على توالي الأعصار ، والشكر الذي تتلى سوره آناء الليل والنهار ، والعلم بما لكم من المكارم التي سار ذكرها في الأقطار أشهر من المثل السيّار ، والاعتداد بسلطانكم العليّ في الإعلان والإسرار ، والاستناد إلى جنابكم الكريم في الأقوال والأفعال والأخبار ، فذلك لا يزال بحمد اللّه تعالى محفوظا ملحوظا بعين الاستبصار ، واللّه ولي العون على ذلك بفضله وطوله . وإلى هذا أيّد اللّه تعالى سلطانكم ، ومهّد أوطانكم ، فقد تقدّمت مطالعة مقامكم أسماه اللّه أنّ ملك قشتالة دسّ من يتحدّث في عقد صلح يعود بالهدنة على البلاد ، ويرتفع به عنها مكابدته من جهة الأعاد ، وقدّرنا أولا أنّ ذلك ليس على ظاهر الحال فيه ، وإنه يبدي به « 3 » غير ما يخفيه ، ولكن جرينا معه في ذلك المضمار « 4 » قصدا للتشوف على الأخبار ، فلمّا دار الحديث في هذا الحكم ، ظهر منه أنه قد جنح للسّلم ، وكان خديمنا نقروز بحكم الاتفاق قد ورد إشبيلية لبعض أشغاله ، فاستحضره وأخذ معه في أمر الصلح وشرح أحواله ، وأعاده إلى معظمكم ليستفهم ما عنده ، ويعلم مذهبه وقصده ، فأعيد إليه بأنه إن أراد المصالحة على صلح والده مع هذه الدار النّصرية من غير زيادة على شروط تلك القضية ، ولا يعرض لاسترجاع معقل « 5 » من المعاقل التي أخلصت من يد النصرانية ، وأن يكون عقده على الجزيرة الخضراء ورندة وغيرهما من البلاد الأندلسية ، فلا بدّ من مطالعة محلّ والدنا السلطان أمير المسلمين أبي سعيد أيّده اللّه واستطلاع ما يراه ، وحينئذ نعمل بحسب نظره الجميل ومقتضاه ، وأكّد على نقروز في أنه إن انقاد « 6 » لهذا الأمر فليعقد معه هدنة لأمد من الدهر بقدر ما يتّسع لتعريفكم بهذه الحال وإعلامكم ، ويستطلع فيها نظر مقامكم ، فما هو إلّا أن عاد يوم تاريخ هذا بكتاب ملك قشتالة ، وقد أجاب إلى الصلح وانقاد إليه ، على حسب ما شرط عليه ، وأعطى مهادنة مدة شهر فبرير ليعرّف فيها مقامكم ، ويعلم ما لديه ، ووافق ذلك وصول الشيخ الفقيه الأجلّ أبي عبد اللّه بن حبشية أعزّه اللّه من بابكم الكريم أسماه اللّه ، فأخذ معه في هذا

--> ( 1 ) الآلاء : النعم . ( 2 ) في ب « واليسر » . ( 3 ) يبدي : يظهر . ( 4 ) أصل المضمار المسافة التي جعلت أمدا لسير خيل الحلبة . ( 5 ) العقل : الحصن . ( 6 ) انقاد : خضع .