أحمد بن محمد المقري التلمساني
46
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
دمشق ، ثم كرّ إلى المغرب ، لا يمرّ بمجلس علم أو تعلّم إلّا روى أو روّي ، واحتلّ رندة حرسها اللّه أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة ، فأقام بها عينا في قرابته ، وعلما في أهله ، معظّما لديهم ، إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب الوقيعة البرمكية « 1 » . وورد رندة في أثر ذلك ، فتعرّض إليه وهنّأه بقصيدة طويلة من أوليات شعره أوّلها « 2 » : [ الرمل ] هل إلى ردّ عشيّات الوصال * سبب أم ذاك من ضرب المحال فلما أنشدها إياه أعجب به وبحسن خطّه ونصاعة ظرفه ، فأثنى عليه ، واستدعاه إلى الوفادة على حضرته ، فوفد آخر عام ستة وثمانين ، فأثبته في خواصّ دولته ، وأحظاه لديه ، إلى أن رقّاه إلى كتابة الإنشاء ببابه . واستمرّت حاله معظّم القدر ، مخصوصا بالمزية ، إلى أن توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر ، وتقلّد الملك بعده ولي عهده أبو عبد اللّه ، فزاد في إحظائه وتقريبه ، وجمع له بين الكتابة والوزارة ، ولقبّه بذي الوزارتين ، وأعطاه العلامة ، وقلّده الأمر ، فبعد الصيت وطاب الذكر ، إلى أن كان من أمره ما كان ، انتهى ملخصا . [ شيء من ترجمة ذي الوزارتين ابن الحكيم ، وعن الإحاطة ] وقال في « الإحاطة » بعد كلام طويل في ترجمته : قال شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم ولده : وجدت بخطّه رحمه اللّه تعالى رسالة خاطب بها أخاه الأكبر أبا إسحاق إبراهيم افتتحها بقصيدة أوّلها « 3 » : [ الكامل ] ذكر اللّوى شوقا إلى أقماره * فقضى أسى أو كاد من تذكاره وعلا زفير حريق نار ضلوعه * فرمى على وجناته بشراره وقد ذكرناها في غير هذا المحلّ . ومن نظمه مما يكتب على قوس « 4 » : [ الكامل ] أنا عدّة للدين في يد من غدا * للّه منتصرا على أعدائه أحكي الهلال وأسهمي في رجمها * لمن اعتدى تحكي نجوم سمائه قد جاء في القرآن أني عدّة * إذ نصّ خير الخلق محكم آية وإذا العدو أصابه سهمي فقد * سبق القضاء بهلكه وفنائه « 5 »
--> ( 1 ) الوقيعة البرمكية : تشبيها بوقيعة هارون الرشيد بالبرامكة . ( 2 ) انظر الإحاطة ص 289 - 291 . ( 3 ) انظر الإحاطة ص 292 . ( 4 ) انظر الإحاطة ص 295 . ( 5 ) أي بموته .