أحمد بن محمد المقري التلمساني
31
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وهدية من الدهر الضنين لبنيه محتفلة ، أبدع من رتب التعاليم وعلمها ، وركض في الألواح قلمها ، وأتقن من صور الهيئة ومثّلها ، وأسّس قواعد البراهين وأثّلها « 1 » ، وأعرف من زاول شكاية ، ودفع عن جسم نكاية ، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم ، والوصول من المجهول إلى المعلوم ، والمحاضرة المستفزة للحلوم ، والدعابة التي ما خالع العذار فيها بالملوم « 2 » ، فما شئت من نفس عذبة الشيم ، وأخلاق كالزهر من بعد الدّيم « 3 » ، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر ، ومذاكرة يروق في النواظر زهرها الناضر ، وله أدب ذهب في الإجادة كلّ مذهب ، وارتدى من البلاغة بكلّ رداء مذهب ، والأدب نقطة من حوضه ، وزهرة من زهرات روضه ، وسيمرّ له في هذا الديوان ما يبهر العقول ، ويحاسن بروائة ورائق بهائه الفرند المصقول « 4 » ، فمن ذلك ما خرجته من ديوانه المسمّى بالسليمانيات والعزفيات « 5 » قوله : [ الطويل ] ألا استودع الرحمن بدرا مكمّلا * بفاس من الدرب الطويل مطالعه ففي فلك الأزرار يطلع سعده * وفي أفق الأكبار تلفى مواقعه يصيّر مرآه منجّم مقلتي * فتصدق في قطع الرجاء قواطعه تجسّم من ماء الملاحة خدّه * وماء الحيا فيه ترجرج مائعه تلوّن كالحرباء في خجلاته * فيحمرّ قانيه ويبيضّ ناصعه إذا اهتزّ غنّى حليه فوق نحره * كغصن النّقا غنّت عليه سواجعه « 6 » يذكر حتف الصّبّ عامل قدّه * وتعطف من واو العذار توابعه أعدّ الورى سيفا كسيف لحاظه * فهذا هو الماضي وذاك يضارعه « 7 » وقال : [ الطويل ] وصالك هذا أم تحيّة بارق * وهجرك أم ليل السليم لتائق أياديك والأشواق تركض حجرها * بصفحة خدّي من دموع سوابق « 8 »
--> ( 1 ) أثّل : أصّل وهنا أراد أنه بين أصلها وأصالتها . ( 2 ) العذار - بكسر العين - الحياء . ( 3 ) الديم : جمع ديمة وهي المطر . ( 4 ) الفرند : السيف الذي لا مثيل له . أو ما يرى في السيف من تموجات انعكاس الضوء عليه . ( 5 ) انظر الكتيبة الكامنة ص 77 . ( 6 ) سواجعه : طيوره الغناء . ( 7 ) في ب « مضارعه » . ( 8 ) في ب « أناديك والأشواق تركض جمرها » .