أحمد بن محمد المقري التلمساني

24

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الصفات المعروفة من الخلق ، كانت العشرة لا تستمرّ بينهم إلّا بأحد أمرين : إمّا بالاشتراك في الصفات أو في بعضها ، وإمّا بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك ، ولمّا علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه « 1 » ، توسعة عليهم ، وإحسانا منه إليهم ، فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا عبد اللّه محمد المذكور زوجه الحرّة العربية المصونة عائشة ابنة الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الفاضل الطاهر المقدّس المرحوم أبي عبد اللّه محمد المغيلي ، طلقة واحدة ، ملكت بها أمر نفسها دونه ، عارفا قدره ، قصد بذلك إراحتها من عشرته ، طالبا من اللّه أن يغني كلّا من سعته ، مشهدا بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أوّل يوم من شهر ربيع الثاني عام أحد وخمسين وسبعمائة ، انتهى . ومن نوادره رحمه اللّه تعالى أنه لما استناب بعض قضاة ألمرية الفقيه أبا جعفر المعروف بالقرعة في القضاء من عمله بخارج ألمرية ، فاتّفق أن جاء بعض الجنّانين بفحص ألمرية يشتكي من جائحة أو أذاية أصابت جنانه ، ففسدت غلته لذلك ، فأخذ ذلك الجنان قرعة وأشار إليها متشكيا ، وقال : هذه القرعة تشهد بما أصاب جناني ، فقال الشيخ أبو البركات عند ذلك : غريبتان في عام واحد : القرعة تقضي ، والقرعة تشهد . وكان له رحمه اللّه تعالى من هذا النمط كثير . وقال رحمه اللّه تعالى : نظمت صبيحة يوم السبت السابع والعشرين لرجب عام خمسة وأربعين وسبعمائة ، وقد رأيت في النوم كأني أريد إتيان امرأة لا تحلّ لي ، فيأتي رقيب فيحول بيني وبين ذلك المرة بعد المرة ، قولي : [ الطويل ] ألا كرّم اللّه الرقيب فإنه * كفاني أمورا لا يحلّ ارتكابها وبالغ في سدّ الذريعة فاغتدى * يلاحظني نوما ليغلق بابها وقال رحمه اللّه : أنشدني شيخي أبو عبد اللّه بن رشيد عند قراءتي عليه شرحه لقوافي أبي الحسن حازم ، وقد باحثته يوما ، مناقشة في بعض ألفاظه من الشرح المذكور : [ الطويل ] تسامح ولا نستوف حقّك كلّه * وأغض فلم يستوف قطّ كريم ومن نظم الشيخ أبي البركات قوله : [ الطويل ] ألا خلّ دمع العين يهمي بمقلتي * لفرقة عين الدمع وقف على الدم « 2 »

--> ( 1 ) عيل صبره : نفد صبره . ( 2 ) يهمي : ينهمل .