أحمد بن محمد المقري التلمساني
22
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
غير منتسب لسبب من الأسباب ، ولا مخلّ بأدب من الآداب ، قد عرف شأنه وزمانه ، وملكت مكارم الأخلاق عنانه « 1 » ، لا ينتصر لنفسه ، ولا يتفكّر في غده وأمسه ، العلم خليله ، والقرآن دليله ، والحقّ حفيظه ووكيله ، نظره إلى الخلق بالرحمة ، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة ، انتهى . وأحوال هذا الشيخ عجيبة ، وكراماته شهيرة ، وإنما ذكرنا هذا النّزر « 2 » اليسير تبرّكا بذكره رضي اللّه عنه في هذا الكتاب ، وتطفلا على رب الأرباب أن ينفعنا بأمثاله ويحقّق لنا النجاة والمتاب ، إنه على ذلك قدير . رجع إلى أخبار أبي البركات - ولمّا وقع بينه وبين ابن صفوان ما يقع بين المتعاصرين ردّ عليه ابن صفوان ، فانتصر لأبي البركات بعض طلبته بتأليف سمّاه « شواظ من نار ونحاس ، يرسل على من لم يعرف قدره وقدر غيره من الناس » وهو قدر رسالة الشيخ أو أطول ، وألفي على ظهره بخطّ الشيخ أبي البركات ما صورته : [ السريع ] قد شبع الكلب كما ينبغي * من حجر صلد ومن مقرع فإن يعد من بعد ذا للّذي * قد كان منه فهو ممن نعي ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه اللّه تعالى قوله : [ الطويل ] يلومونني بعد العذار على الهوى * ومثلي في وجدي له لا يفنّد « 3 » يقولون أمسك عنه قد ذهب الصّبا * وكيف أرى الإمساك والخيط أسود « 4 » وقوله في المجبنات : [ الطويل ] ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشا * على الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف « 5 » لها بهجة كالشمس عند طلوعها * ولكنها في الحين تغرب في الجوف « 6 »
--> ( 1 ) أصل العنان - بكسر العين - سير اللجام الذي تمسك به الراية . ( 2 ) النزر - بالفتح - القليل . ( 3 ) لا يفند : لا يتهم بالكذب . ( 4 ) في البيتين تورية ؛ فالإمساك يطلق على الصوم . والخيط الأسود يطلق على الليل وهو من قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وأراد بالإمساك الكف عن الحب . وبالخيط الأسود العذار . ( 5 ) مطوية الحشا : أي ضامرة . ( 6 ) أخذ ذلك من قوله تعالى في قصة ذي القرنين حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ