أحمد بن محمد المقري التلمساني
99
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
سبوها إليه خارجة عن السنن السويّ ، وكلمات كدروا بها منهل علمه الرّويّ ، ولا يدين بها ويفوه إلّا الضالّ الغويّ ، والظنّ أنّ مقامه رحمه اللّه تعالى من لبسها بري ، وجنابه سامحه اللّه تعالى عن لبسها عري . وكان الذي تولّى كبر محنته وقتله ، تلميذه أبو عبد اللّه بن زمرك الذي لم يزل مضمرا لختله « 1 » ، فلقد وقفت على خطّ ابن لسان الدين على أنه تسبّب في قتل لسان الدين أبيه ، وسيأتي الإلماع والإلمام بابن زمرك المذكور في تلامذة لسان الدين ، مع أنه - أعني لسان الدين - حلاه في الإحاطة أحسن الحلى ، وصدقه فيما انتحله من أوصاف العلا ، وقد سبق في كلام ولي الدين ابن خلدون أنه قدم على السلطان أبي العباس أحمد المريني في شأن الوزير ابن الخطيب ، وأخرج إلى مجلس الخاصة ، وامتحن والمجالس بالأعيان غاصّة ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله . [ من أعداء لسان الدين القاضي أبو الحسن النباهي ، وما يتصل بذلك ] ومن أعدائه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد ، القاضي أبو الحسن بن الحسن النباهي ، فكم قبّل يده ، ثم جاهره بعد انتقال الحال ، وجدّ في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين ، وانقضت دولته ، فسبحان من لا يتحوّل ملكه ولا يبيد « 2 » . وقد سبق فيما جلبناه من كلام ابن خلدون أن القاضي ابن الحسن قدم على السلطان عبد العزيز في شأن لسان الدين والانتقام منه بسبب تلك السجلات وإمضاء حكم اللّه فيه بمقتضاها ، فأبى السلطان من ذلك ، وقال : هلّا فعلتم أنتم ذلك حين كان عندكم ؟ وامتنع لذمته أن يخفره « 3 » ، فلمّا أراد اللّه بنفوذ الأمر ، وعدم نفع زيد وعمرو ، توفي السلطان عبد العزيز ، واختلّت الأحوال ، واضطربت بالمغرب نيران الأهوال ، فقدم في شأنه الوزير الكاتب ابن زمرك خادمه الذي رباه وصنيعته ، فكان ما كان ممّا سبق به الإلمام . وقد ذكرنا في الباب الأول قول لسان الدين رحمه اللّه تعالى في قصيدته النونية : [ الطويل ] تلوّن إخواني عليّ وقد جنت * عليّ خطوب جمّة ذات ألوان وما كنت أدري قبل أن يتنكّروا * بأن خواني كان مجمع خوّاني « 4 » وكانت قد حمّ القضاء صنائعي * عليّ بما لا أرتضي شرّ أعوان ولقد صدق رحمه اللّه تعالى ، على أنه قال هذه القصيدة في النكبة الأولى التي انتقل فيها
--> ( 1 ) الختل : الخداع . ( 2 ) لا يبيد : لا يفنى . ( 3 ) يخفره : ينقض عهده . ( 4 ) الخوان : المائدة ، والخوّان : جمع خائن .