أحمد بن محمد المقري التلمساني

89

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

إليه يموّه بأنّ هذا عن أمره ، فتبرأ من ذلك ، ولاطف ابن عمّه أن ينقض ذلك الأمر ، فاعتلّ له بانعقاد البيعة لأبي العباس ، وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة ابن عمّه إلى ما رامه منه « 1 » بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلّهم للأندلس ، وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر ، فوجم وأعرض عن ابن عمّه ، ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ، فاهتبل « 2 » في غيبته ابن عمّه محمد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة ، وعسكر آخر من الغزاة ، وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع ابن عمّه السلطان أحمد ومظاهرته واجتماعهما على ملك فاس ، وعقد بينهما الاتفاق على أن يختصّ عبد الرحمن بملك سلفه ، فتراضيا . وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس ، وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من تازا ، فانفضّ معسكره ، ورجع إلى فاس ، ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون ، فصمد إليه الوزير بعساكره ، فاختلّ مصافه ، ورجع على عقبه مفلولا ، وانتهب عسكره ، ودخل البلد الجديد ، وجأجأ « 3 » بالعرب أولاد حسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فاس ، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف ، وشرّدهم إلى الصحراء ، وشارف السلطان أبو العباس أحمد بجموعه من العرب وزناتة ، وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصره الذي اختطّه بملوية ، فجاءهم ، وأطلعوه على كامن أسرارهم ، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق ، فاجتمعوا بوادي النجا ، وتحالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكره ، فانهزمت جموعه ، وأحيط به ، وخلص إلى البلد الجديد بعد غصّ الريق ، واضطرب معسكر السلطان أبي العباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه ، وضربوا على البلد الجديد سياجا بالبناء للحصار ، وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب . ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر ، فأحكموا الحصار ، وتحكّموا في ضياع الوزير ابن الخطيب بفاس ، فهدموها وعاثوا فيها . ولمّا كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمد بن عثمان ابن عمّه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان ، لكون الحصار قد اشتدّ به ويئس وأعجزه المال ، فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي له عن أعمال مراكش بدل سجلماسة ، فعقدوا له على كره ، وطووا على المكر « 4 » ، وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان وبايعه ، واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من

--> ( 1 ) رامه منه : طلبه منه . ( 2 ) اهتبل : اغتنم . ( 3 ) جأجأ بالجمال : دعاها للشرب ، وهنا جأجأ بالعرب أي دعاهم . ( 4 ) طووا على المكر : أضمروا المكر والخديعة .