أحمد بن محمد المقري التلمساني

81

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

على السلطان بفاس ، وأجلّ قدومه ، وركب للقائه ، ودخل به إلى مجلس ملكه ، وقد احتفل ترتيبه ، وغصّ بالمشيخة والعلية . ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ، ويستحثّه لمظاهرته على أمره ، واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة ، ثم سرد ابن خلدون القصيدة ، وقد تقدّمت . ثم قال بعد ما صورته « 1 » : ثم انفضّ المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله « 2 » ، وقد فرشت له القصور ، وقربت الجياد بالمراكب الذهبية ، وبعث إليه بالكسا الفاخرة ، ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع ، وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل ، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلّا الآلة أدبا مع السلطان . واستقرّ في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس ، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره ؛ انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون في هذه الواقعة ، وفيه بعض مخالفة لكلام لسان الدين السابق في اللمحة البدرية ، إذ قال فيها : إن الثورة عليهم كانت ليلة ثمان وعشرين من رمضان ، وابن خلدون جعلها ليلة سبع وعشرين منه ، والخطب سهل ، وقال في « اللمحة » إنّ انصراف السلطان من وادي آش كان ثاني يوم النحر ، وقال ابن خلدون في ذي القعدة : ولعلّه غلط من الكاتب حيث جعل مكان الحجة القعدة . ورائية ابن الخطيب الذي ذكرها هي من حرّ كلامه وغرر شعره ، على أنه كله غرر ، إذ جمع فيها المطلوب في ذلك الوقت بأبدع لفظ وأحسن عبارة في ذلك المحفل العظيم ، ولم نزل نسمع في المذاكرات بالمغرب أنه لمّا انتهى فيها إلى قوله « فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر » قال له بعض من حضر ولعلّه أراد الغضّ منه : أحسنت يا وزير فيما قلت ، وفي وصف الحال والسلطان ، غير أنه بقي عليك شيء ، وهو ذكر قرابة السلطان موالينا بني مرين وهم من هم ، ولا ينبغي السكوت عنهم ، فارتجل ابن الخطيب حينئذ قوله « ومن دون ما تبغيه - إلى آخره » حتى تخلّص لمدح بني مرين أقارب السلطان بما لا مرمى وراءه ، ثم قال بعد ذلك معتذرا « أمولاي غاضت فكرتي - إلى آخره » وهذا إن صحّ أبلغ ممّا وقع لأبي تمام في سينيته حيث قال « لا تنكروا ضربي لي - البيتين » « 3 » لأنّ أبا تمام ارتجل بيتين فقط ، ولسان الدين ارتجل تسعة عشر بيتا ، مع ما هو عليه من الخروج عن الوطن وذهاب الجاه والمال ، فأين الحال من الحال ؟

--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون ج 7 ص 309 . ( 2 ) النزل - بضم النون والزاي - المكان المعد لإنزال الضيفان ، وفي التنزيل الحكيم : كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . ( 3 ) يروى أن أبا تمام مدح ابن المعتصم بقوله :