أحمد بن محمد المقري التلمساني

79

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

اللّه الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين . وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته ، بعد كيته وكيته ، أو العقد إلى جيده « 1 » ، بعد انتثار فريده ، أو الطير إلى وكره ، مفلتا من غول الشرك ومكره ، ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيّا رحمة ، ولا طشّت « 2 » عليها بعدنا غمامة رحمة ، ولا باتت للسياسة في ذمّة ، ولا ركنت لدين ولا همّة ، فطوينا بساط العتاب طيّ الكتاب ، وعاجلنا سطور المؤاخذة بالاضطراب ، وآنسنا نفوس أولي الاقتراف « 3 » بالاقتراب ، وسهّلنا الوصول إلينا ، واستغفرنا اللّه لنفسنا ولمن جنى علينا ، فلا تسألوا عمّا أثار ذلك من استدراك ندم ، ورسوخ قدم ، واستمتاع بوجود بعد عدم ، فسبحان الذي يمحّص « 4 » ليثيب ، ويأمر بالدعاء ليجيب ، وينبّه من الغفلة ويهيب ، ويجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب « 5 » . ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسيّبا للمفاتحة المعتمدة ، وتمهيدا للموالاة المجدّدة ، فأخبار الأقطار ممّا تنفقه الملوك على أسمارها ، وترقم ببدائعه هالات أقمارها ، وتستفيد منه حسن السّير ، والأمان من الغير ، وتستعين على الدهر بالتجارب ، وتستدلّ بالشاهد على الغائب ، وبلادكم ينبوع الخير وأهله ، ورواق الإسلام الذي يأوي قريبه وبعيده إلى ظلّه ، ومطلع نور الرسالة ، وأفق الرحمة المنثالة ، منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها ، وتتخلّل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها ، وتستعلي البدور ، ثم يدعوها إلى المغرب الحدور ، وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها ، متهادية في دركات ميلها ، ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها ، ومن تلقائكم ورد العلم والعمل ، وأرعي الهمل . فنحن نستوهب من مظانّ الإجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد ، ويعدل منه الشيء بالمال والعدد ، ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه ممّا ورد ، وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنّا وعنكم دواعي الفتن ، وغوائل المحن ، ويحملنا على سنن السّنن « 6 » ، ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن « 7 » ، وهو سبحانه يصل لأبوّتكم ما تستقلّ لدى قاضي القضاة رسومه ، فتكتب حقوقه وتكبت خصومه ، ولا تكلفه الأيام ولا تسومه ، بفضل اللّه وعزّته ، وكرمه ومنّته ، والسلام

--> ( 1 ) الجيد : العنق . ( 2 ) طشّت : أمطرت مطرا ضعيفا . ( 3 ) أولي الاقتراف : أصحاب الذنوب . ( 4 ) يمحص : يبتلي ويختبر . ( 5 ) ينيب : يرجع . ( 6 ) السنن - بفتح السين والنون - الطريق . والسّنن : جمع سنة وهي الطريقة والسيرة ، والشريعة . ( 7 ) الجنن : جمع جنّة - بضم الجيم في المفرد والجمع وهي الوقاية والحافظ والدرع .