أحمد بن محمد المقري التلمساني
77
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قصره ، ولم نجعل أداة تدل على حصره ، وسامحناه في كثير من أمره ، ولم نرتب بزيده ولا عمره ، واغتررنا برماد علا على جمره ، فاستدعى له من الصعاليك شيعة ، كلّ درب بفكّ الأغلاق ، وتسرّب أنفاق النفاق ، وخارق للإجماع والإصفاق ، وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفسّاق ، وتسوّر بهم القلعة من ثلم شرع في سدّه ، بعد هدّه ، ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا ، واستنبنا من يضطلع بأمورنا ، فاستتم الحيلة التي شرعها ، واقتحم القلعة وافترعها ، وجدّل حرس النوبة وصرعها ، وكبس محلّ النائب عنّا وجدّله ، ولم ينشب أن جدّ « 1 » له ، واستخرج الأخ البائس فنصبه ، وشدّ به تاج الولاية وعصبه ، وابتزّ أمرنا وغصبه . وتوهّم الناس أنّ الحادثة على ذاتنا قد تمّت ، والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت ، فخذل الناصر ، وانقطعت الأواصر ، وأقدم المتقاصر ، واقتحمت الأبهاء والمقاصر ، وتفرّقت الأجزاء وتحلّلت العناصر ، وفقد من عين الأعيان النور الباصر ، فأعطوه طاعة معروفة ، وأصبحت الوجوه إليه مصروفة ، وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها ، وتكفي علينا السماء واللّه يكفيها ، إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السّرار « 2 » ، لا نملك إلّا نفسا مسلّمة لحكم الأقدار ، ملقية للّه مقادة الاختيار ، مسلوبة بموجب الاستقرار ، وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار ، واستبصروا في الدفاع عنّا أتمّ الاستبصار ، ورضوا لبيوتهم المصحرة ، وبساتينهم المستبحرة ، بفساد الحديد وعياث النار ، ولم يرضوا لجوارهم بالإخفار ، ولا لنفوسهم بالعار ، إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحا طويلا ، وتوسعها الشجون شرحا وتأويلا ، وتلقي القصص منها على الآذان قولا ثقيلا ، وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقا علينا تخفق ، وأكفّ رياحه حسرة تصفق ، ونزلنا من جناب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه ، ودلّ على كرم الأصول فرعه ، والكريم الذي وهب فأجزل ، ونزل لنا عن الصّهوة وتنزّل ، وخير وحكم ، وردّ على الدهر الذي تهكم ، واستعبر وتبسّم ، وآلى وأقسم ، وبسمل وقدّم ، واستركب لنا واستخدم . ولمّا بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا ، وحقّقوا ما حسبوا ، وطفا الغثاء « 3 » ورسبوا ، ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موّه بزيفه ، وطوّفة بسيفه ، ودل ركب المخافة على خيفه ، إذ أمن المضعوف من كيده ، وجعل ضرغامه
--> ( 1 ) « جدله » في الفقرة الأولى فعل ماض مقترن بضمير الغائب ، أي صرعه على الجدالة وهي الأرض . و « جدله » الثانية ، أي اجتهد له . ( 2 ) السّرار : آخر ليلة من الشهر . ( 3 ) الغثاء : رغوة القدر ، أو ما يجرفه السيل .