أحمد بن محمد المقري التلمساني
356
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ومولده كما ذكره في شرحه على البردة ليلة الاثنين رابع عشري ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة قال : حدّثتني أمي عائشة بنت الفقيه الصالح القاضي أحمد بن الحسن المديوني ، وكانت من الصالحات ألفت مجموعا على أدعية « 1 » اختارتها ، وكانت لها قوة على تعبير الرؤيا اكتسبتها من كثرة مطالعتها لكتب الفن ، أنه أصابني مرض شديد أشرفت منه على الموت ، ومن شأنها وأبيها أنهما لا يعيش لهما ولد إلّا نادرا ، وكانوا أسموني أبا الفضل أول الأمر ، فدخل عليها أبوها أحمد المذكور ، فلمّا رأى مرضي وما بلغ بي غضب وقال : ألم أقل لكم لا تسموه أبا الفضل ، ما الذي رأيتم له من الفضل حتى تسموه أبا الفضل ؟ سمّوه محمدا ، لا أسمع أحدا يناديه بغيره إلّا فعلت به وفعلت ، يتوعّد بالأدب ، قالت : فسمّيناك محمدا ، ففرج اللّه عنك ؛ انتهى . ومن فوائده ما حكي في بعض فتاويه قال : حضرت مجلس شيخنا العلامة نخبة الزمان ابن عرفة ، رحمه اللّه تعالى ، أول مجلس حضرته فقرأ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ « 2 » [ الزخرف : 36 ] فجرى بيننا مذاكرات رائقة ، وأبحاث حسنة فائقة ، منها أنه قال : قرىء ( يعشو ) بالرفع و ( نقيّض ) بالجزم ، ووجهها أبو حيان بكلام ما فهمته ، وذكر أنّ في النسخة خللا ، وذكر بعض ذلك الكلام ، فاهتديت إلى تمامه فقلت : يا سيدي ، معنى ما ذكره أنّ جزم نُقَيِّضْ بمن الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنت من معنى الشرط ، وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة ، فوافق رحمه اللّه تعالى وفرح - لما أن الإنصاف كان طبعه « 3 » - وعند ذلك أنكر عليّ جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط ، فقلت : نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو « الذي يأتيني فله درهم » من ذلك ، فنازعوني في ذلك ، وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل ، فقلت : قال ابن مالك فيما يشبه المسألة : وقد يجزم متسبب عن صلة الذي تشبيها بجواب الشرط ، وأنشدت من شواهد المسألة قول الشاعر : [ الطويل ] كذاك الذي يبغي على الناس ظالما * تصبه على رغم عواقب ما صنع فجاء الشاهد موافقا للحال ؛ انتهى بنقل تلميذه المازوني .
--> ( 1 ) في ب « مجموعا في أدعية » . ( 2 ) يعش عن ذكر الرحمن : أي يصدف عنه وينصرف إلى غيره . ونقيّض : نهيّئ . و « من » في صدر الآية يجوز أن تكون شرطية فالفعلان مجزومان ، ويجوز أن تكون موصولة ، فالفعلان مرفوعان . فإذا قرىء ( يعشو ) بالرفع و ( نقيض ) بالجزم ، كما حكي احتاجت هذه القراءة إلى التخريج ، وهو ما ذكره أعلاه . ( 3 ) في ب « كما أن الإنصاف كان طبعه » .