أحمد بن محمد المقري التلمساني

285

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

غاياته ، والتفنّن في تقريب الغامض إلى الأذهان بالأمثلة الوضعية ، فقرّب بها حقائق الشاذلية تقريبا لم يسبق إليه ، كما قرّب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريبا لم يسبق إليه ، وكان مع ذلك آية في التحقّق بالعبودية والبراءة من الحول والقوّة وعدم المبالاة بالمدح والذمّ ، بل له مقاصد نفيسة في الإعراض عن الخلق ، وعدم المبالاة بهم ، وأعظم أخلاقه التي لا يصبر عنها ويضطرب لها غاية الاضطراب أن يحضر حيث ينسى الحقّ ، لا سيما إن كان نسيان الحقّ بالنسبة إليه ، فهو الذي يقلقه ، ويضيق صدره على اتّساعه ووفور انشراحه عن ذلك ، ولقد ذكر بعض من كان من أخصّ الناس به ومنقطعا إليه أحوال رجال الرسالة القشيرية والحلية وما منحوا من المواهب ، قال : فلمّا مات الشيخ واستبصرت ما أشاهده منه من أفعال تدلّ على القطع بصديقيته لاح لي « 1 » أنّ تلك الصفات التي يذكر مشخّصة فيه نشاهدها عيانا ، ولو لم أر الشيخ لقلت : إنني لم أر كمالا ، وعلى الجملة فهو واحد عصره بالمغرب . ذكر لي عن قطب المعقول بالمغرب والمشرق الأبلي أنه كان يشير إليه في حال قراءته عليه ، أعني الشيخ ابن عباد ، ويقول : إنّ هناك علما جمّا لا يوجد عند مشاهير أهل ذلك الوقت ، إلّا أنه كان لا يتكلّم ، رضي اللّه عنه ، وشهد له المقطوع بولايتهم بالتقدّم ، وأقرّوا له بالشيخوخة ، وتبرّكوا به ، كسيدي سليمان اليازغي « 2 » وسيدي محمد المصمودي وسيدي سليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي وأمثالهم ، وكان شيخه الحجّة الورع أحمد بن عاشر يشيد بذكره ، ويقدمه على سائر أصحابه ، ويأمرهم بالأخذ عنه ، والانتفاع به ، والتسليم له ، ويقول : ابن عباد أمّة وحده « 3 » ، ولا شكّ أنه كذلك كان ، أعني غريبا فإنّ العارف غريب الهمّة بعيد القصد ، لا يجد مساعدا على قصده . وكان الغالب عليه الحياء من اللّه تعالى ، والتنزّل بين يدي عظمته ، وتنزيله نفسه منزلة أقلّ الحشرات ، لا يرى لنفسه مزية على مخلوق ، لما غلب عليه من هيبة الجلال وعظمة المالك وشهود المنّة ، نظّارا إلى جميع عباد اللّه تعالى بعين الرحمة والشفقة والنصيحة العامة ، مع توفية المراتب حقّها ، والوقوف مع الحدود الشرعية ، واعتبارهم من حيث مراد اللّه تعالى بهم ، هذا دأبه « 4 » مع الطائع والعاصي ما لم يظهر له من أحد مخايل « 5 » حبّ التعظيم والمدح والتجبّر على المساكين ورؤية الحقّ إذ هي دعوى لا تليق بالعبد ، ومن كانت هذه صفته فقد

--> ( 1 ) لاح لي : بدا لي ، وظهر . ( 2 ) في أ « البازغي » . ( 3 ) فلان أمة وحده : كناية عن كونه جامعا للصفات الكمالية التي توجد في أمة ، وفي القرآن الكريم إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً . ( 4 ) الدأب : العادة ، الشأن . ( 5 ) مخايل : جمع مخيلة ، وهي المظنة والأمارة والعلامة .