أحمد بن محمد المقري التلمساني

244

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فيه تأثير ، وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها العامة ، ولا حقيقة لها ، فاستحضر الوزير ابن الصوفي ودعاه إلى مناظرة القاضي ، فقال : لا أقدم « 1 » على المناظرة ، وإنما أقول : إذا كان من النجوم كذا كان كذا ، وأمّا التعليل فمن علم المنطق ، والذي يتولّى المناظرة عليه أبو سليمان المنطقي ، فأحضر وأمر ، فقال هذا القاضي يقول : إذا ركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة فاللّه تعالى قادر على أن يزيد فيهم آخر في ذلك الوقت ، فإن قلت له لا يقدر قطعتم لساني ، فأي معنى لمناظرتي ؟ فقال القاضي للوزير : ليس كلامنا في القدرة ، لكن في تأثير الكواكب ، فانتقل هذا إلى ما ترى لعجزه ، وأنا إن قلت إنّ اللّه تعالى قادر على ذلك فلا أقول إنه يخرق العادة الآن ، ولا يجوز عندنا ذلك ، فهو فرار من الزحف ، فقال المنطقي : المناظرة دربة ، وأنا لا أعرف مناظرة هؤلاء القوم ، وهم لا يعرفون مواضعاتنا ، فقال الوزير : قد قبلنا اعتذارك ، والحق أبلج « 2 » . رأس الدين ، صحة اليقين . من سابق القدر ، عثر : [ الكامل ] وإذا خشيت من الأمور مقدّرا * وفررت منه فنحوه تتوجّه قيل : لمّا وقع الوباء بالكوفة فرّ ابن أبي ليلى على حمار ، فسمع منشدا ينشده : [ الرجز ] لن يسبق اللّه على حمار * ولا على ذي منسر طيّار أو يأتي الحتف على مقدار * قد يصبح اللّه أمام الساري فقال : إذا كان اللّه أمام الساري فلا مهرب ، ورجع . ومنه : شكا بعض الصالحين إلى الخليفة ضرر الأتراك ، فقال : أنتم تعتقدون أنّ هذا من قضاء اللّه وقدره ، فكيف أردّه ؟ فقال : إنّ صاحب القضاء قال : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] فردّهم عنهم . القدر والطلب كالعدلين « 3 » على ظهر الدابة كلّ واحد منهما معين لصاحبه ، فالقدر بالطلب ، والطلب بالقدر . قيل لعارف : إن كنت متوكلا فألق بنفسك من هذا الحائط فلن يصيبك إلّا ما كتب اللّه لك ، فقال : إنما خلق اللّه الخلق ليجرّبهم ، لا ليجرّبوه .

--> ( 1 ) في ب « لا أقوم » . ( 2 ) أبلج : واضح ظاهر . ( 3 ) العدل : نصف الحمل على أحد جنبتي الدابة .