أحمد بن محمد المقري التلمساني
238
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ومنه : أتى يهودي المسجد فقال : أيكم وصيّ محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فأشاروا إلى الصّدّيق ، فقال : إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلّا نبيّ أو وصي نبيّ ، قال : سل ، قال : فأخبرني عمّا ليس للّه ، وعمّا ليس عند اللّه ، وعمّا لا يعلمه اللّه ، فقال : هذه مسائل الزنادقة ، وهمّ بقتله ، فقال ابن عباس : ما أنصفتموه ، إمّا أن تجيبوه وإمّا أن تصرفوه إلى من يجيبه « 1 » ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول لعلي « اللهمّ اهد قلبه ، وثبّت لسانه » فقال أبو بكر : قم معه إلى علي ، فقال له : أمّا ما لا يعلمه فقولكم في عزير إنه ابن اللّه ، واللّه ، عزّ وجلّ ، لا يعلم له ولدا ، قال في التنزيل وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] وأمّا ما ليس عند اللّه فالظلم ، وأمّا ما ليس له فالشريك ، فأسلم اليهودي ، فقبّل أبو بكر رأس علي ، وقال له : يا مفرج الكربات ، ووردت مثل هذه المسائل عن الصحابة ، فاللّه تعالى أعلم . وقال العتابي لأبي قرة النصراني عند المأمون : ما تقول في المسيح ؟ قال : من اللّه ، قال : البعض من الكلّ على سبيل التّجزي « 2 » ، والولد من الوالد على طريق التناسل ، والخلّ من الخمر على وجه الاستحالة ، والخلق من الخالق على جهة الصنعة ، فهل من معنى خامس ؟ قال : لا ، ولكن لو قلت بواحد منها ما كنت تقول ؟ قال : الباري لا يتجزّأ ، ولو جاز عليه ولد لجاز له ثان وثالث وهلمّ جرّا ، ولو استحال فسد ، والرابع مذهبنا ، وهو الحقّ . ومنه : أول ما تكلّم به عيسى في المهد أن قال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] وهو حجّة على الغالين فيه « 3 » ، يقال لهم : إن صدق فقد كذبتم ، وإلّا فمن عبدتم ؟ ولمن ادّعيتم ؟ قال القاضي ابن الطيب للقسيس لما وجهه عضد الدولة إلى ملك الروم : لم اتّحد اللاهوت بالناسوت ؟ فقال : أراد أن ينجي الناس من الهلاك ، قال : فهل درى أنه يقتل ويصلب أولا ؟ فإن لم يدر لم يجز أن يكون إلها ولا ابنا ، وإن درى فالحكمة تمنع من التعرّض لمثل ما قلتم إنه جرى . سأل القاضي هذا البطرك عن أهله وولده ، فأنكر ذلك النصارى ، فقال : تبرءون هذا ممّا تثبتونه لربّكم ؟ سوأة لهذا الرأي ، فانكسروا .
--> ( 1 ) تصرفوه إلى من يجيبه : تحولوه له . ( 2 ) التجزي : التجزئة . ( 3 ) الغالين : اسم فاعل من غلا . أي تشدد وتصلب وبالغ .