أحمد بن محمد المقري التلمساني
227
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين ، فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين ، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين ، ولم يكن هذا فيمن قبلنا ، فلقد تركوا كتب البراذعي على نبلها ، ولم يستعمل منها ، على كره من كثير منهم ، غير « التهذيب » الذي هو « المدوّنة » اليوم ؛ لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدوّنة لأبي محمد . ثم كلّ أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشقّ الشروح والأصول الكبار ، فاقتصروا على حفظ ما قلّ لفظه ، ونزر حظّه « 1 » ، وأفنوا أعمارهم في فهم رموزه ، وحلّ لغوزه ، ولم يصلوا إلى ردّ ما فيه إلى أصوله بالتصحيح ، فضلا عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح ، بل هو حلّ مقفل ، وفهم أمر مجمل ، ومطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس . فبينا نحن نستكبر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ ، أتيحت لنا تقييدات للجهلة ، بل مسوّدات المسوخ ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم ، وتريك ما غفل الناس عنه ؛ انتهى . ولنصلها بخاتمة تشير إلى حال العلماء أيضا اعلم أنّ شرّ العلماء علماء السلاطين « 2 » ، وللعلماء معهم أحوال ؛ فكان الصدر الأول يفرون منهم ، وهم يطلبونهم ، فإذا حضر واحد منهم أفرغوا عليه الدنيا إفراغا ليقتنصوا بذلك غيره ، ثم جاء أهل العصر الثاني ، فطمحت أنفسهم إلى دنيا من حصل لهم ، ومنعهم قرب العهد بالخير عن إتيانهم ، فكانوا لا يأتونهم ، فإن دعوهم أجابوهم إلّا القليل ، فانتقصوا ممّا كان لغيرهم بقدر ما نقصوا من منابذتهم ، ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوة ، وأكثرهم إن دعي أجاب ، فانتقصوا بقدر ذلك أيضا ، ثم تطارح جمهور من بعدهم عليهم ، فاستغنوا بهم عن دعاء غيرهم ، لا على جهة الفضل أو محبة المدحة منهم ، فلم يبقوا عليهم من ذلك إلّا النزر اليسير ، وصرفوهم في أنواع السخر والخدم إلّا القليل ، وهم ينتظرون صرفهم ، والتصريح بالاستغناء عنهم ، وعدم الحاجة إليهم ، ولا تستعظم هذا ، فلعلّه سبب إعادة الحال جذعة ، عجب اللّه من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل ، وهذا كلّه ليظهر لك سرّ قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « لتتبعنّ سنن من قبلكم ، شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه خلفهم « 3 » » قيل : اليهود والنصارى ؟ قال : « فمن ؟ » وقد قصّ علينا القرآن والأخبار من أمرهم ما شاهدنا أكثره أو أكثر منه فينا ، سمعت العلّامة الأبلي يقول : لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر ممّا نزل فيهم ؛ لأنّا أتينا أكثر ممّا أتوا ، يشير إلى
--> ( 1 ) نزر حظه : قل . ( 2 ) أراد بعلماء السلاطين العلماء الذين ينضوون تحت لواء السلاطين ، ويأتمرون بأوامرهم لقاء مال أو جاه . ( 3 ) الضب : حيوان من الزحافات كثير عقد الذنب خشنه ، جمعه ضباب ، وأضبّ ، وضبّان ومضبّة .