أحمد بن محمد المقري التلمساني

224

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

عنده ليلة بقصره ، وكان يدخل القصر ، ولا تحتجب منه الجواري ، فاحتاج إلى البول ، فبال في قبة في القصر عظيمة ، فانتهرته إحدى الجواري ، وقالت له : أتبول في قبة مولانا ؟ فقال لها : إنّ قبة مولانا الخضراء أعظم من هذه ، وأنا أفعل تحتها ما هو أفظع من البول ، وما انتهرني قط ، فذكرت ذلك الجارية للسلطان ، فضحك وعلم أنه يريد السماء . وكان يكتب القرآن والعمدة ولا يغلق حرفا مجوفا فإذا غلب على ذلك أصلحه ، حتى حكي أنه سافر لإصلاح حرف مجوف أغلقه سهوا من نسخة كان باعها ، ولم يتذكّر ذلك حتى سافر مشتريها ، فما رجع حتى جدّده . وحكى الشيخ أبو القاسم بن داود الفخار السلوي أنّ الشيخ أبا عبد اللّه الشريف التلمساني صاحب « المفتاح في أصول الفقه » وشارح « الجمل الخونجية » المتوفى عام اثنين وسبعين وسبعمائة المدفون بالمدرسة « 1 » اليعقوبية من تلمسان المحروسة افتتح شرح العمدة بما نصّه : اللهمّ احمد نفسك عمّن أمرته أن يتّخذك وكيلا ، حمدا عائدا منك إليك ، متحدا بك ، دائما بدوام ملكك ، لا منقطعا ولا مفصولا ، قال : فقال لي أبو عبد اللّه بن شاطر : ما هو انفصال عالم الملك ؟ فقلت له : بالضرورة الوقتية فقال لي : ما أجهلك ! وأجهل سيدك أبا عبد اللّه ! وأجهل ابن سودكين الذي أخذ من كتابه هذا الحمد ! إذ قال « لا منقطعا ولا مفصولا » بعد قوله « بدوام ملكك » وهو بالضرورة الوقتية ، وهي منقطعة ، فهلّا قال : « دائما بدوام قيوميتك ، وعظيم قدرك ، ومجدك الأعلى ، وسبحات وجهك الأكرم ، لا منقطعا ولا مفصولا » فبلغ ذلك أبا عبد اللّه الشريف ، فبدله ؛ انتهى . وأخبار ابن شاطر كثيرة ، وقد مرّ ذكره في كلام مولاي الجدّ رحمه اللّه تعالى ، وسيأتي ما ذكره لسان الدين به في « الإحاطة » . ومن فوائد مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى ، ما قاله إثر قول الرازي في التفسير « الحس أقوى من العقل » ونصّه : هذا على ما حكاه في المحصل من أنّ المعقولات فرع المحسوسات ، قال : ولذلك من فقد حسّا فقد فقد علما كالأكمه والعنّين « 2 » ، ومذهب جمهور الفلاسفة أنّ اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات ، انظر المحصل ؛ انتهى . ومن فوائده ، رحمه اللّه تعالى ، أنه قال : أنشدت يوما الأبلي قول ابن الرومي : [ الكامل ]

--> ( 1 ) في ب « دفين المدرسة اليعقوبية » . ( 2 ) الأكمه : المولود أعمى . والعنين : العاجز عن إتيان النساء .