أحمد بن محمد المقري التلمساني
210
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ثم أخذت على الشام ، فلقيت بدمشق شمس الدين بن قيّم الجوزية صاحب الفقيه ابن تيميّة ، وصدر الدين الغماري المالكي ، وأبا القاسم بن محمد اليماني الشافعي ، وغيرهم ، وببيت المقدس الأستاذ أبا عبد اللّه بن مثبت ، والقاضي شمس الدين بن سالم ، والفقيه المذكر أبا عبد اللّه بن عثمان ، وغيرهم . ثم رجعت إلى المغرب ، فدخلت سجلماسة ودرعة ، ثم قطعت إلى الأندلس ، فدخلت الجبل وأصطبونة ومربلّة ومالقة وبلش والحامة ، وانتهت بي الرحلة إلى غرناطة ، وفي علم اللّه تعالى ما لا أعلم ، وهو المسؤول أن يحملنا على الصراط الأقوم ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ؛ انتهى كلام جدي رحمه اللّه تعالى في الجزء الذي ألّفه في مشيخته ، وقد لخّصه لسان الدين في الإحاطة . [ رواية ابن خلدون عن شيخه أبي عبد اللّه المقري الكبير ] ولنذكر هنا زيادات لا بأس بها ، فنقول : ولما ألمّ ولي الدين بن خلدون بذكر مولاي الجدّ في تاريخه الكبير عند تعريفه بنفسه ، وصفه بأنه كبير علماء المغرب ونصّ محل الحاجة من تاريخه « 1 » : لما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة ، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر ، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون ، وكنّا على ترقب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك وتمهيده له ، وأقمت بإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحجّ ، ولم يقدر عامئذ ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة ، فرأيت حضرة الدنيا ، وبستان العالم ، ومحشر الأمم ، ومدرج الذرّ من البشر ، وإيوان الإسلام ، وكرسي الملك ، تلوح القصور والأواوين في أوجه ، وتزهو الخوانق والمدارس بآفاقه ، وتضيء البدور والكواكب من علمائه ، وقد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سيحه « 2 » ، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثبجه « 3 » ، ومررت في سكك المدينة تغصّ بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم « 4 » ، وما زلنا نحدّث عن هذا البلد ، وبعد مداه في العمران ، واتّساع الأحوال ، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجّهم وتاجرهم بالحديث عنه ، سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد اللّه المقري فقلت
--> ( 1 ) انظر التعريف ص 246 . ( 2 ) النهل : الشرب للمرة الأولى . والعلل : الشرب للمرة الثانية : والسيح : الماء الجاري على وجه الأرض . ( 3 ) الثبج : أعالي الموج . ( 4 ) تزخر بالنعم : أي مليئة بالنعم .