أحمد بن محمد المقري التلمساني
186
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
زيد : لا يصحّ لك هذا حتى تكنس بيت المال ، وتصلّي ركعتين كما فعل علي بن أبي طالب ، وسأله أبو الفضل بن أبي مدين الكاتب ذات يوم عن حاله ، وهو قاعد ينتظر خروج السلطان ، فقال له : أما الآن فأنا مشرك ، فقال : أعيذك من ذلك ، فقال : لم أرد الشرك في التوحيد ، لكن في التعظيم والمراقبة ، وإلّا فأي شيء جلوسي ههنا ؟ والشيء بالشيء يذكر ، قمت ذات يوم على باب السلطان بمراكش فيمن ينتظر خروجه ، فقام إلى جانبي شيخ من الطلبة ، وأنشدني لأبي بكر بن خطاب « 1 » رحمه اللّه تعالى : [ الكامل ] أبصرت أبواب الملوك تغصّ بال * راجين إدراك العلا والجاه مترقّبين لها فمهما فتّحت * خرّوا لأذقان لهم وجباه « 2 » فأنفت من ذاك الزحام وأشفقت * نفسي على إنضاء جسمي الواهي « 3 » ورأيت باب اللّه ليس عليه من * متزاحم ، فقصدت باب اللّه وجعلته من دونهم لي عدّة * وأنفت من غيّي وطول سفاهي يقول جامع هذا المؤلّف : رأيت بخطّ عالم الدنيا ابن مرزوق على هذا المحلّ من كلام مولاي الجدّ مقابل قوله « ورأيت باب اللّه » ما صورته : قلت ذلك : لسعته أو لقلّة أهله : [ البسيط ] إنّ الكرام كثير في البلاد ، وإن * قلّوا ، كما غيرهم قلّ وإن كثروا « 4 » قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [ المائدة : 100 ] - الآية انتهى . رجع إلى كلام مولاي الجدّ - قال رحمه اللّه تعالى ورضي عنه : وحدّثني شيخ من أهل تلمسان أنه كان عند أبي زيد مرة ، فذكر القيامة وأهوالها ، فبكى ، فقلت : لا بأس علينا وأنتم أمامنا ، فصاح صيحة ، واسودّ وجهه ، وكاد يتفجّر دما ، فلمّا سرّي عنه « 5 » رفع يديه وطرفه إلى السماء ، وقال : اللهمّ لا تفضحنا مع هذا الرجل ، وأخباره كثيرة . وأمّا شقيقه أبو موسى فسمعت عليه كتاب مسلم ، واستفدت منه كثيرا ، فممّا سألته عنه
--> ( 1 ) انظر ترجمته في التكملة ج 5 ص 144 . ( 2 ) الجباه : جمع جبهة ، وقد أخذ الشاعر البيت من قوله تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ . ( 3 ) أنضى جسمه : أهزله . والواهي : الضعيف . ( 4 ) قلّ ، بضم القاف وتشديد اللام : أي قليل . ( 5 ) سري عنه - بالبناء للمجهول : ذهب عنه ما به .