أحمد بن محمد المقري التلمساني

174

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

مثواه « 1 » ، ومكّنه من التجارة بجميع بلاده ، وخاطبه بالصديق الأحبّ ، والخلاصة الأقرب . ثم صار يكاتب من بتلمسان ، يستقضي منهم مآربه ، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة ، وعندي من كتبه وكتب ملوك المغرب ما ينبئ عن ذلك ، فلمّا استوثقوا من الملوك ، تذلّلت لهم الأرض للسلوك ، فخرجت أموالهم عن الحدّ ، وكادت تفوت الحصر والعدّ : لأنّ بلاد الصحراء ، قبل أن يدخلها أهل مصر ، كان يجلب إليها من المغرب ما لا بال « 2 » له من السلع ، فتعاوض عنه بما له بال من الثمن - أيّ مدبّر دنيا ضمّ جنبا أبي حمو وشمل ثوباه ، كان يقول « 3 » : لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السّلع ، ويأتون بالتّبر الذي كلّ أمر الدنيا له تبع ، ومن سواهم يحمل منها الذهب ، ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب ، ومنه ما يغيّر من العوائد ، ويجرّ السفهاء إلى المفاسد - ولمّا درج « 4 » هؤلاء الأشياخ جعل أبناؤهم ينفقون ممّا تركوا لهم ، ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم ، وصادفوا توالي الفتن ، ولم يسلموا من جور السلاطين ، فلم يزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمن ، فها أنا ذا لم أدرك من ذلك إلّا أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشا « 5 » ، وأصوله حرمة . ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب ، وأسباب كثيرة تعين على الطلب ، فتفرّغت بحول اللّه ، عزّ وجلّ ، للقراءة ، فاستوعبت أهل البلد لقاء ، وأخذت عن بعضهم عرضا وإلقاء ، سواء المقيم القاطن ، والوارد والظاعن . انتهى كلامه في أوليته ، وقد نقله لسان الدين في « الإحاطة » . وقال مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى : كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمّو « 6 » موسى بن عثمان بن يغمر اسن بن زيان . وقد وقفت على تاريخ ذلك ، ولكني رأيت الصفح عنه ؛ لأنّ أبا الحسن بن مؤمن سأل أبا طاهر السّلفي عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت أبا الفتح بن زيان عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت علي بن محمد اللبان عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت حمزة « 7 » بن يوسف السهمي عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت الشافعي عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، فإني سألت مالك بن أنس عن سنّه فقال : أقبل على شانك ، ليس من المروءة للرجل أن يخبر بسنّه ، انتهى .

--> ( 1 ) مثواه : إقامته . وأكرم مثواه ، أي أكرم إقامته . ( 2 ) ما لا بال له : أي ما ليس بذي شأن . ( 3 ) أبو حمو : هو موسى بن عثمان بن يغمراسن . ( 4 ) درج : مات . ( 5 ) في ب « فضوله عيشا » . ( 6 ) في ب « أبي حمّو » . ( 7 ) في ب « سألت أبا القاسم حمزة » .