أحمد بن محمد المقري التلمساني

14

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أرد إلّا الإصلاح ما استطعت ، وإن توسّطت واقتصرت ، وأوجزت واختصرت ، فلا الحقّ نصرت ، ولا أفنان البلاغة هصرت ، ولا سبيل الرشد أبصرت ، ولا عن هوى الحسدة أقصرت ، هذا ولو أني أجهدت ألسنة البلاغة فجهدت ، وأيقظت عيون الإجادة فسهدت « 1 » ، واستعرت مواقف عكاظ « 2 » على ما عهدت ، لما قررت من الفضل إلّا ما به الأعداء قد شهدت ، ولا استقصيت من المجد إلّا ما أوصت به الفئة الشانئة لخلفها الأبتر وعهدت ، فقد كان - رحمه اللّه ! - علم الكمال ، ورجل الحقيقة ، وقارا لا يخف راسيه ، ولا يعرى كاسيه ، وسكونا لا يطرق جانبه ، ولا يرهب غالبه ، وحلما لا تزلّ حصاته « 3 » ، ولا تهمل وصاته ، وانقباضا لا يتعدّى رسمه ، ولا يتجاوز حكمه ، ونزاهة لا ترخص قيمتها ، ولا تلين عزيمتها ، وديانة لا تحسر أذيالها ، ولا يشفّ « 4 » سربالها ، وإدراكا لا يفلّ نصله ، ولا يدرك خصله ، وذهنا لا يخبو نوره ، ولا ينبو مطروره « 5 » ، وفهما لا يخفى فلقه ، ولا يهزم فيلقه « 6 » ، ولا يلحق بحره ، ولا يعطل نحره ، وتحصيلا لا يفلت قنيصه ، ولا يسام حريصه ، بل لا يحلّ عقاله ، ولا يصدأ صقاله ، وطلبا لا تتّحد فنونه ، ولا تتعيّن عيونه ، بل لا تحصر معارفه ، ولا تقصر مصارفه ، يقوم أتمّ قيام على النحو على طريقة متأخري النحاة ، جمعا بين القياس والسماع ، وتوجيه الأقوال البصرية ، واستحضار الشواهد العشرية ، واستظهار اللغات والأعربة ، واستبصارا في مذاهب المعربة ، محلّيا أجياد تلك الأعاريب ، من علمي البديع والبيان بجواهر أسلاك ، ومجلّيا في آفاق تلك الأساليب ، من فوائد هذين الفنين زواهر أفلاك ، إلى ما يتعلّق بذلك من قافية للعروض وميزان ، وما للشعر من بحور وأوزان ، تضلع بالقراءات أكمل اضطلاع ، مع التحقيق والاطلاع ، فيقنع ابن الباذش من إقناعه ، ويشرح لابن شريح ما أشكل من أوضاعه ، ويقصر عن رتبته الداني ، ويحرز « 7 » صدر المنصّة من حرز الأماني ، ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد « 8 » والفرائض والأحكام مشاركة حسنة ، ويتقدّم في الأدب نظما ونثرا وشعرا ، إلى براعة

--> ( 1 ) سهدت - بالبناء للمجهول مضعف الهاء أو من باب فرح - أرقت . ( 2 ) عكاظ بضم العين ، بزنة غراب - اسم موضع قريب من مكة كانت تقوم فيه سوق ، وكان يحضرها الشعراء والخطباء فيتناشدون ويتفاخرون . ( 3 ) الحصاة : العقل . ( 4 ) يشف : يبين ما تحته . ( 5 ) المطرور : المحدد . ( 6 ) الفيلق : الجيش الكثير العدد . ( 7 ) في ب « ويحوز صدر » . ( 8 ) العدد : الحساب ، وهو من ألزم اللوازم لإتقان علم المواريث ( تقسيم التركات ) .