أحمد بن محمد المقري التلمساني
134
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وأعدّ زادا للرحي * ل فسوف يحدى بالرفاق وابك الذنوب بأدمع * تنهلّ من سحب المآق يا من أضاع زمانه * أرضيت ما يفنى بباق وكان ابن الجوزي المذكور آية اللّه في كثرة التأليف والكتابة والوعظ والحفظ ، وأقلّ من [ كلمة عن أبي الفرج بن الجوزي ومجالس وعظه ، عن الذهبي وغيره ] كان يحضر مجلسه عشرة آلاف ، وربما حضر عنده مائة ألف ، وقال في آخر عمره على المنبر : كتبت بأصبعيّ هاتين ألفي مجلّدة ، وتاب على يدي مائة ألف ، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني ، وأسمع رحمه اللّه تعالى الناس أكثر من أربعين سنة ، وحدّث بمصنّفاته مرارا . وقال الحافظ الذهبي في حقّه : الحافظ الكبير ، الواعظ ، المفتن ، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعدّدة ، وعظ من صغره ، وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح ، وكتب بخطّه ما لا يوصف ، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه ، وحزر « 1 » مجلسه غير مرة بمائة ألف ، وحضر مجلسه المستضيء مرارا من وراء الستر ؛ انتهى . ومن كلامه في بعض مجالسه : واللّه ما اجتمع لأحد أمله ، إلّا وسعى في تفريقه أجله ، وعقارب المنايا تلسع الناس ، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس . وقال في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أعمار أمّتي من الستين إلى السبعين » إنما طالت أعمار القدماء لطول البادية ، فلمّا شارف الركب بلد الإقامة قيل : حثّوا المطي . وقال في الذين عبدوا العجل : لو أنّ اللّه خار لهم ، ما خار لهم « 2 » . وقال يوما وقد طرب أهل المجلس : فهمتم فهمتم « 3 » . وقال في خلافة أبي بكر ، رضي اللّه عنه ، بعد أن ذكر أحاديث تدلّ على خلافته كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « مروا أبا بكر فليصلّ بالناس » وغيره ، ما صورته : فهذه أحاديث تجري مجرى النصّ ، فهمها الخصوص ، غير أنّ الرافضة في إخفائها كاللصوص ، فقال السائل : لما قال « أقيلوني » ما سمعنا مثل جواب علي رضي اللّه عنه « واللّه لا أقلناك » فقال : لمّا غاب علي عن البيعة في الأول ، أخلف ما فات بالمدح في المستقبل ، ليعلم السامع والرائي أنّ بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي ، فهي رائي ، ومثل ذلك الصّدر لا يرائي .
--> ( 1 ) وحزر مجلسه ، بالبناء للمجهول - قدر عدد من حضره . ( 2 ) خار لهم الأولى : اختار . وخار لهم الثانية : صوّت أي الثور . ( 3 ) فهمتم الأولى : من الفهم . وفهمتم الثانية : من الهيام والفاء عاطفة .